يعرف الأخبار، بأن القوم علموا مزية القرآن، في الفصاحة، واعتقدوا ذلك فيه، وأن عدولهم عنه، وتركهم المعارضة، والاحتجاج، لأجل معرفتهم بحاله، وتعظيمهم لشأنه، وذكر أن المتقدمين منهم في الفصاحة علموا ذلك، وغيرهم يعلم من جهتهم، ويخبرهم في بطلان القول، بأن القرآن يجب الايمان به، دون معرفة معناه. مما سبق فإن ذلك يدل على فساد من يقول، إن القرآن يجب الإيمان به دون معرفة معناه».
ويستطرد القاضي قائلا «1» : «قد بينا أنه يقع منه تعالى على وجه يدل على المراد، كوقوعه من أحدنا، إذا تكامل على شرط دلالته، فيجب أن لا يصح منه تعالى، أن يخاطب به، وهو موضوع لفائدة إلا وهو يريدها به، وإلا كان في حكم العابث» .
وقد ذكر أبو هاشم: «أنه لو كان كذلك، لوجب أن لا تنفصل حاله، وهم عرب، بين أن يكون عربيا، أو أعجميا، لأنه إذا لم يكن له معنى يستدل به عليه، أو به ويغيره، فلا فرق بين كونه على هاتين الصفتين، وبين أن يكون الكلام من المخاطب بهذه الصفة أحد وجوه القبح، ولا يختلف في ذلك الغائب والشاهد» .
ودل أبو هاشم على ذلك أيضا: «بأنه تعالى، لو لم يرد بكلامه الفائدة، لكان لا فرق بينه وبين التصويت، وايراد ما لم تقع عليه المواصفة البتة، وبين أنه كان لا وجه لانقسامه إلى كونه أمرا وخبرا، أو وعدا ووعيدا، وبين أنه لا يمكن أن يدعي أن وجه حسنه التعبد بالتلاوة، لأنه كان لا ينفصل، لو كان هذا هو الغرض، حاله وهو عربي، من حاله وهو بالزنجية» .
ويقول القاضي: وقد بينا جملة من ذلك في «العمد» «2» ، ودللنا على أن حسن التلاوة ووجوبها لا يخرج الكلام، لو لم يكن له معنى، من أن يكون عبثا، بل كان يجب أن يكون بمنزلة الفعل، الذي يصح أن يفيد، من وجهين، أو فعله تعالى لأحدهما، في خروجه من أن يكون حسنا، هذا لو لم يكن التعبد بالتلاوة، يتبع في الحسن كونه مفيدا، فأما إذا كان يتبعه بالحسن، حتى لو لا معرفة ما
(1) المغني ج 16 ص 356.
(2) أحد كتب القاضي عبد الجبار.