«السلف» ، في أن القدر خيره وشره من اللّه تعالى، فإن هذه الكلمات كالمجمع عليها عندهم.
والعجب، أنه حمل هذا اللفظ، الوارد في الخير، على البلاء والعافية، والشدة والرخاء، والمرض والشفاء، والموت والحياة «1» .... إلى غير ذلك من أفعال اللّه تعالى، دون الخير والشر، والحسن والقبيح، الصادرين من اكتساب العباد.
وكذلك أورده جماعة من المعتزلة في المقالات عن أصحابهم.
القاعدة الثالثة: القول بالمنزلة بين المنزلتين، والسبب فيه أنه دخل واحد على «الحسن البصري» ، فقال: يا إمام الدين! لقد ظهرت في زماننا جماعة يكفرون أصحاب الكبائر، والكبيرة عندهم كفر يخرج به عن الملة، وهم «وعيدية الخوارج» ، وجماعة يرجئون أصحاب الكبائر، والكبيرة عندهم لا تضر مع الإيمان، بل العمل على مذهبهم ليس ركنا من الإيمان، ولا يضر مع الإيمان معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة، وهم «مرجئة الأمة» ، فكيف تحكم لنا في ذلك اعتقادا؟
فتكفر «الحسن» في ذلك، وقبل أن يجيب، قال «واصل بن عطاء» :
أنا لا أقول: إن صاحب الكبيرة مؤمن مطلقا. ولا كافر مطلقا، بل هو في منزلة بين المنزلتين، لا مؤمن ولا كافر، ثم قام واعتزل إلى اسطوانة من اسطوانات المسجد، يقرر ما أجاب به على جماعة من أصحاب «الحسن» ، فقال الحسن «اعتزل عنا واصل» فسمي هو أصحابه «معتزلة» .
ووجه تقريره أنه قال: إن الإيمان عبارة عن خصال خير، إذا اجتمعت سمّى المرء مؤمنا، وهو اسم مدح، والفاسق لم يستجمع خصال الخير، ولا أستحق اسم المدح، فلا يسمى مؤمنا، وليس هو بكافر مطلقا أيضا، لأن الشهادة وسائر أعمال الخير موجودة فيه، لا وجه لإنكارها، لكنه إذا خرج من الدنيا، على كبيرة، من غير توبة، فهو من أهل النار خالدا فيها، إذ ليس في الآخرة إلا فريقان: «فريق في الجنة، وفريق في السعير» «2» لكنه يخفّف عنه العذاب،
(1) الملل والنحل ص 52
(2) الشورى: (7)