فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 204

مكرهين، ولا إليها مضطرين». فقال الشيخ: «و كيف ذلك والقضاء والقدر ساقانا، وعنهما كان مسيرنا؟» فقال عليه السلام: «لعلك تظن قضاء واجبا، وقدرا حتم، لو كان كذلك لبطل الثواب والعقاب، وسقط الوعد والوعيد ولما كانت تأتي من اللّه لائمة لمذنب ولا محمدة لمحسن، ولا كان المحسن بثواب الاحسان أولى من المسيء، ولا المسيء بعقوبة الذنب أولى من المحسن- تلك مقالة إخوان الشياطين، وعبدة الأوثان، وخصماء الرحمن، وشهود الزور، أهل العمى عن الصواب في الأمور، هم قدرية هذه الأمة ومجوسها، إن اللّه تعالى أمر تخييرا، ونهى تحذيرا ولم يكلف مجبرا، ولا بعث الأنبياء عبثا «ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ» . فقال الشيخ: «و ما ذلك القضاء والقدر اللذان ساقانا؟» فقال: «أمر اللّه بذلك وإرادته» ثم تلا: «وَ قَضى / رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ/ وبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا «1» ». فنهض الشيخ مسرورا بما سمع، وأنشأ يقول:

أنت الامام الذي نرجو بطاعته ... يوم النشور من الرحمن رضوانا

أوضحت من ديننا ما كان ملتبسا ... جزاك ربك بالاحسان إحسانا

وقول أبي بكر، وعبد اللّه بن مسعود «2» ، في بعض اجتهاداتهما، حيث سئل أبو بكر عن الكلالة، وابن مسعود معن المرأة المفوضة في مهرها، فقال كل واحد منهما حين سئل: «أقول فيها برأي فان كان صوابا فمن اللّه، وإن كان خطا فمني ومن الشيطان» . فهذا القول يقضي بذلك، أى بالتصريح بالعدل وانكار الجبر. وتعزير عمر لمن ادعى أن سرقته كانت بقضاء اللّه، مصرح بنفي

(1) 23 ك الاسراء 17.

(2) عبد اللّه بن مسعود الهذلى توفى سنة اثنين وثلاثين وهو أحد القراء الأربعة ومن أهل السوابق في الإسلام ومن علماء الصحابة رضى اللّه عنهم أجمعين. هاجر الهجرتين وصلى إلى القبلتين، وشهد له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بالجنة. وسبب إسلامه أنه مر عليه النبي صلّى اللّه عليه وسلم وهو يرعى غنما بمكة لعقبة بن أبى معيط، فأخذ النبي صلّى اللّه عليه وسلم منها شاة حائلا وحلبها، فشرب وسقى أبا بكر فقال له ابن مسعود: علّمنى من هذا القول.»، فسمح رأسه وقال: «أنك عليم معلم» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت