مألوفها فلا تمل منه، والنفس يراد بها الروح على الصحيح.
قال شيخ الإسلام: وحقيقة الروح لم يتكلم عليها الرسول عليه الصلاة والسلام فنمسك عنها ولا نعبر عنها بأكثر من أنها موجودة لقوله تعالى: {وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} [الإسراء: 85] أي مما استأثر به أي اختص بعلمه وهي واحدة، خلافا للعز بن عبد السلام في قوله: إن كل جسد له روحان: أحدهما روح اليقظة التي أجرى الله عادته بأنها إذا كانت في الجسد كان مستيقظا فإذا خرجت منه نام ورأت تلك الروح المنامات، والأخرى روح الحياة التي أجرى الله العادة بأنها ما دامت في الجسد كان حيا وإذا فارقته مات، وهاتان الروحان في باطن الجسد لا يعلم مقرهما إلا الله أو من أطلعه الله على ذلك فهما كجنين في بطن امرأة واحدة، وبعض خاض في حقيقة النفس وذلك البعض الخائض على ثلاث فرق: إحداها تقول: إنها جسم بدليل وصفها بالعروج والخروج.
وثانيتها تقول: إنها عرض وهي الحياة التي يصير البدن بوجودها حيا. وثالثتها تقول: إنها ليست بجسم ولا عرض وإنما هي جوهر مجرد قائم بنفسه له تعلق بالبدن يدبره ليس داخلا فيه ولا خارجا عنه، ولكن الأفضل ترك الخوض. قال في الجوهرة:
ولا تخض في الروح إذ ما وردا ... نص عن الشارع لكن وجدا
لمالك هي صورة كالجسد ... فحسبك النص بهذا السند
"وأنست"أي استأنست"بما يعملون به من ذلك"المفروض"جوارحهم"بحيث صارت لا تتألم عند الفعل، وجوارحهم فاعل أنست بمعنى عدم تألمها من فعله وإن كان التأنس في الأصل ضد التوحش.
تنبيهان الأول: قال الفاكهي: العباد أصناف ملائكة وأنبياء وإنس وجن، فالملائكة والأنبياء معصومون، والإنس والجن منهم مطيع
ومنهم عاص، والخلائق الحيوانية على ثلاثة أقسام: قسم له عقل ولا شهوة له وهم الملائكة، وقسم له شهوة ولا عقل له وهم الدواب، وقسم له عقل وشهوة وهم بنو آدم، فمن غلب عقله على شهوته كان مع الملائكة، ومن غلبت شهوته على عقله كان مع الدواب.
الثاني: العقلاء بالنسبة للتكليف على ثلاثة أقسام: كلف من أول الفطرة قطعا وهم الملائكة وآدم وحواء وقسم لم يكلف من أول الفطرة قطعا وهم أولاد آدم، وقسم فيه نزاع والظاهر أنهم مكلفون من أول الفطرة وهم الجن ذكره ابن جماعة.