عن سائر النقائص وأثبتوا له جميع الكمالات فاتفق القولان على عدم إدراك حقيقته إذ يرى من غير كيف ولا انحصار ولذا قال تعالى: {لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ} [الأنعام: 103] أي لا تحيط به والإدراك أخص من الرؤية ولا يلزم من نفي الأخص نفي الأعم الذي هو الرؤية.
تنبيه علم مما قررنا من لفظية لخلاف أنه لا يلزم من معرفة الذات إدراك حقيقتها وأن هذا الخلاف في غير الرؤية وأما رؤية الذات العلية فلم تقع في الدنيا يقظة لأحد وإن كانت ممكنة لسؤال موسى إياها سوى نبينا صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء وأما في الآخرة فلا شك فيها بنص القرآن لكن من غير كيف ولا انحصار بشهادة: {لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ} [الأنعام 103] حيث لم يقل لم تره الأبصار وقد علمت أنه لا يلزم من نفي الأخص وهو الإدراك بل يستحيل في حقه تعالى لاقتضائه الانحصار نفي الأعم التي هي الرؤية.
"و"مما يجب اعتقاده أنه لا يحيط أي لا يعلم يأمره أي شأنه المتفكرون جمع متفكر هو من قام به الفكر وهو عند أهل الميزان ترتيب أمور معلومة للتأدي إلى مجهول كترتيب الصغرى والكبرى ليتوصل به إلى معرفة النتيجة التي كانت مجهولة وهذا ليس بمراد هنا وإنما المراد بالمتفكرين في كلام المصنف المتأملون لأن الفكر يطلق على التأمل.
وإنمالم يحيطوا بشأنه تعالى لكثرة اختلافه إذ كل يوم أي زمن هو في شأن أي أمر يظهره على وفق ما قدره في الأزل من إحياء وإمانة وإعزاز وإذلال وإغناء وإفقار إلى غير ذلك وليس المراد بالأمر ضد النهي لأن الخلق مكلفون به فلا بد من إحاطتهم وعلمهم به وقال بعض الشراح إن هذه الجملة دليل لما قبلها وكأنه قال لا يبلغ كنه صفته الواصفون لأنه لا يحيط بأمره المتفكرون أي وما لا يحيط بأمره فكيف يتوصل إلى إدراك كنه صفته وإنما اقتصر على المتفكرين لأنهم الذين يتوهم منهم الإحاطة.
وذكر بعض العلماء أن ابن الجوزي جلس يوما على كرسي وعظه يقرر في تفسير: {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} [الرحمن: 29] فوقف رجل على رأسه وقال له: فما يفعل ربك الآن فسكت وبات مهموما فرأى المصطفى صلى الله عليه وسلم فسأله فقال له إن السائل هو الخضر وأنه سيعود إليك فقل له شؤون يبديها ولا يبتديها يخفض أقواما أو يرفع آخرين فأتاه فأجابه فقال له صل على من علمك.