ومما يجب اعتقاده أنه لا يبلغ أي يدرك كنة أي حقيقة صفته تعالى الواصفون أي العارفون بطريق معرفة الصفات والصفة لا بقيد صفة الله تعالى هي المعنى القائم بالموصوف وتفسير الكنه بالحقيقة هو الظاهر وقيل المراد بالكنة الغاية لأن كنه الشيء غايته وعلى الاحتمال الأول الذي هو الظاهر يكون عدم إدراك حقيقة الذات من باب أولى وأما على الثاني أن الصفة غاية لا تدرك وهذا لا يصح إلا أن يقال هو على حد على لا حب لا يهتدي بمناره واللاحب الطريق والمنار العلامة أي ليس له منار منار حتى يهتدي به ومثله ولا ترى الضب بها ينجحر أي لا ضب لها حتى ينجحر أي لا يدخل الجحر وبغير عمد ترونها أي لا عماد لها حتى تروها فاالمذكورات من باب نفي اللازم وإرادة نفي الملزوم إذ معناه لا منار له فيهتدي به والمعنى هنا لا غاية لصفته حتى تدرك فيكون كنى بعدم إدراك غاية الصفة عن عدم إدراك الصفة فيرجع إلى المعنى الأول وهو عدم إدراك صفته تعالى.
فأن قلت تعريفهم لكل صفة من صفاته تعالى كتعريفهم العلم بأنه صفة لها تعلق بالشيء على وجه الإحاطة به يقتضي إدراك كنه الصفات قلت لا يخفي أن التعريف كما يفيد معرفة حقيقة المعرف يفيد تمييزها عما عداها وإن لم يفد معرفة حقيقته كالتعريف ببعض الخواص مما هو رسم وتعريف الصفات تعريف لها بحسب ما وصل إليه علم خلقه واحترز بقوله الواصفون عن الباري تعالى فإنه يعلم ذاته وصفاته لأن علمه محيط بسائر أقسام الحكم العقلي كما يأتي.
تنبيه ما قدمناه من أن حقيقة ذاته لا تدرك من باب أولى عدم إدراك حقيقة الصفة قال ابن الحاجب فيه هو الأصح فإنه قال ولا تعرف حقيقة ذاته على الأصح خلافا للجمهور وأطلق الجنيد القول في عدم المعرفة ة ولم يقيد بالصفة وقال لا يعرف الله إلا الله ومقابل الأصح قول القاضي أبي بكر ومن تبعه أن الذات يمكن بلوغ حقيقتها وربما يكون المصنف أراد هذا حيث اقتصر على لا لصفة فتلخص أن في بلوغ الذات قولين وأما الصفة فلا يمكن إدراكها باتفاق القولين كما يفهم من قول التتائي أفهم اقتصاره على الصفة أن الذات يمكن بلوغ حقيقتها وهو قول القاضي الخ.
وبعضهم جعل الخلاف في علم حقيقة الذات غير حقيقي بل لفظي لأن من أثبت المعلم بالحقيقة معترف بأنه تعالى لا يحاط به ولا يلحقه وهم ولا يقدره فهم وأن العقول قاصرة عاجزة عن إدراك جلاله ومن نفى العلم بالحقيقة مقر بأنه عرفه العارفون بدلالة الآيات ونزهوه