"لذلك"المذكور من المناجاة والصلاة"بالوضوء"إن كان حدثه أصغر."أو الطهر إن وجب عليه الطهر"بأن كان حدثه أكبر، ولفظ الحديث الذي رواه الإمام مالك في الموطإ: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على الناس وهم يصلون وقد علت أصواتهم بالقراءة فقال:"إن المصلي يناجي ربه فلينظر بما يناجيه ولا يجهر بعضكم على بعضٍ". 1
وقال ابن بطالٍ: مناجاة المصلي ربه عبارة عن إحضار القلب والخشوع في الصلاة، وأما المناجاة من قبل الرب سبحانه وتعالى لعبده فهي إقباله على عبده بالرحمة والرضوان وما يفتحه عليه من العلوم والأسرار، واختلف في حكم الخشوع في الصلاة، فالذي نقله سيدي يوسف بن عمر عن الفقهاء أن من استكمل صلاته بالركوع والسجود ولم يخشع فيها أن صلاته تجزيه وإنما فاته الأفضل، ونقل سيدي أحمد زروق أن حضور القلب في جزءٍ من الصلاة واجب إجماعًا وينبغي أن يكون عند تكبيرة الإحرام، وهذا لا ينافي أن المشهور فقهًا صحة الصلاة بدونه لأنهم لم يجعلوا من أركانها الخشوع ولا بد من مبطلاتها تركه، ويؤيد هذا صحة صلاة من تفكر بدنيوي مع كراهة ذلك منه، ولو كان حضور القلب واجبًا لحرم عليه التفكر وعلى الوجوب فهو فرض تبطل الصلاة بتركه كما قال التتائي في شرح خليلٍ، وإنما طلب من مريد الصلاة الإنصاف بهذه الأوصاف لأن حالة الصلاة أعظم الحالات لأنه متمثل بين يدي خالقه ومتلبس بعبادته، فينبغي أن يكون على أشرف الأوصاف.
"تنبيه": قال سيدي يوسف بن عمر: اقتصر على الطهارة الظاهرة وسكت عن الباطنة وهي النزاهة عن الحسد والكبر والعجب والحقد وغير ذلك من الآفات مع أنها مطلوبة أيضًا، فينبغي للإنسان أن يتطهر ظاهرًا وباطنًا، ولا يكون كمن بنى دارًا وحسن ظاهرها وترك باطنها مملوءًا بالنجاسات والقاذورات، ألا ترى أن من أهدى جاريةً مزينةً لملكٍ وهي ميتة لا يقبلها، فالمتطهر ظاهره دون باطنه كذلك ا هـ.
وأقول: لعل المصنف إنما اقتصر على طهارة الظاهر لأنها التي تتوقف عليها صحة الصلاة، وإن لم يبلغ المصلي درجة الكمال إلا بطهارة جسده من تلك المذكورات والله أعلم. ثم شرع في بيان الماء الطهور بقوله."ويكون ذلك"المذكور من الوضوء أو الطهر"بماءٍ طاهرٍ"أي طهورٍ كما يدل عليه قوله:"غير مشوبٍ"أي غير مخلوطٍ"بنجاسةٍ"فلا يصح بما شابته نجاسة غيرت أحد أوصافه الثلاث: اللون والطعم والريح"ولا بماءٍ"بالمد"قد تغير"تحقيقًا أو ظنا وإن
ـــــــ
1 أخرجه مالك في الموطأ 1/80 حديث 177.