المصنف كانت بلد جمعة أو غيرها على مشهور المذهب، وروى مطرف وابن الماجشون عن الإمام مالك رضي الله عنه: إن كانت قرية جمعة لا يقصر حتى يجاوز ثلاثة أميال من سور البلد وإلا فمن آخر بنيانها ووجه هذا القول أن الجمعة كما تلزم من كان داخل الثلاثة أميال، فكذلك لا يقصر حتى يجاوزها؛ لأنه في حكم الحاضر، ومحل الخلاف في الزائد على البساتين للاتفاق على اعتبار مجاوزة البساتين، وأما القرية
التي لا بساتين لها فيقصر بمجرد انفصاله عن بنائها، ولا يشترط مجاوزة غيطها ومزارعها، والجبلي يقصر بمجرد انفصاله عن منزله، والعمودي بمجاوزته محلته بكسر الحاء منزل إقامته، وأما لو تفرقت بيوتها فلا بد من مجاوزة الجميع حيث جمعهم اسم الحي والدار، أو اسم الدار فقط، أو اسم الحي حيث كان يرتفق بعضهم ببعض، وإلا قصر بمجرد انفصاله عن منزله.
"تنبيهان"الأول: بقي من شروط القصر قصد قطع المسافة دفعة واحدة كما نبهنا عليه في المزح، لا إن نوى إقامة أربعة أيام صحاح في خلالهما أو لا نية له بقطع ولا إقامة فلا يقصر، ولذلك لا يقصر الراعي ولا التائه ولا الهائم، ومن الشروط كون السفر غير منهي عنه كما نبهنا عليه، فلا يقصر العاصي ولا اللاهي، فإن قصر فعند ابن ناجي أساء وصلاته صحيحة، وقال اللقاني. إن كان عاصيا بسفره يعيد أبدا، وإن كان سفره مكروها يعيد في الوقت. وأما العاصي في سفره فلا نزاع في جواز قصره، ومن الشروط أن لا يعدل عن مسافة قصيرة إلى طويلة لغير عذر، ومن الشروط أيضا أن لا يقتدي بمقيم أدرك معه ركعة فأكثر وإلا امتنع، وليس من الشروط البلوغ على ما يظهر؛ لأنه لم ينص أحد على التصريح باشتراطه، وإنما وقع البحث لبعض الشيوخ في ذلك، والذي يظهر جواز القصر حتى للصبيان؛ لأن رخصته شرعت للتخفيف عن المسافر، والصبي المسافر أولى بالتخفيف من البالغ، وأيضا الرباعية فرض على البالغ وحط عنه شطرها، ومندوبة في حق الصبي، فكيف يحط شطر الواجب دون المندوب؟ وأيضا قال القرافي: وألحق خطاب الصبيان بغير الفرائض والمحرمات، وإن قيل: الرخصة مختصة بالبالغ، نقول: يرده إباحة الميتة للمضطر فإنه لم يقل أحد فيما نعلم بحرمتها على الصغير المضطر وحرر الحكم.
الثاني: حكم السفر الإباحة وقد يعرض له الوجوب كالسفر لحجة الإسلام من المستطيع، وكسفر الغزو في حق الذكر القادر، وقد يعرض له الندب كالسفر لزيارة صالح أو طلب علم غير واجب، وقد تعرض له الحرمة كالسفر لقطع الطريق، وقد تعرض كراهية كالسفر لصيد اللهو