كما أخفى الرجل الصالح، وكما أخفى ليلة القدر، واستمر هذا إلا في حق المصطفى صلى الله عليه وسلم فإنه لم يمت حتى أطلعه الله على ما أخفاه على غيره من المغيبات كما بيناه في العقيدة فراجعه إن شئت، وبالجملة فيوم الجمعة يوم عظيم الشأن خص الله به هذه الأمة، وأعطى النصارى يوم الأحد واليهود يوم السبت وفرضت بمكة ولم يصلها صلى الله عليه وسلم حينئذ، وصلاة الجمعة كما قال ابن عرفة ركعتان يمنعان وجوب الظهر على رأي ويسقطانها على آخر، فقوله: يمنعان وجوب الظهر أي على أنها فرض يومها والظهر بدل منها وهذا هو المعتمد.
وقوله: ويسقطانها على آخر أي بناء على أنها بدل من الظهر وهو شاذ، إذ لو كانت بدلا ما صح فعلها مع إمكانه ولذلك قال القرافي: والمذهب أنها واجب مستقل، وجمع الفاكهاني بين القولين ليزول الإشكال الحاصل من فعلها مع التمكن من الظهر على القول بالبدلية فقال: والحق أنها بدل المشروعية، والظهر بدل منها في الفعل، ومعنى كونها بدلا في المشروعية أن الظهر شرعت في ابتداء ثم شرعت الجمعة بدلا منها، ومعنى كونها بدلا في الفعل أنها إذا تعذر فعلها أجزأت عنها الظهر، فإضافة صلاة في كلامه من قبيل إضافة المسمى إلى الاسم أو من قبيل الإضافة البيانية بناء على أن الاسم عين المسمى.
ثم شرع في بيان حكمها بقوله:"والسعي"أي الذهاب"إلى"المسجد الجامع لأجل صلاة"الجمعة فريضة"؛ لأن شرط صحتها الجامع بخلاف غيرها من الفرائض، دل على فرضيتها الكتاب والسنة وإجماع الأمة.
أما الكتاب فقوله تعالى: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الجمعة: 9] .
قال القرافي: والأمر للوجوب فهي فرض على الأعيان خلافا لمن قال على الكفاية، فالآية دلت على وجوب الخطبة لقوله: {فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الجمعة: 9] والأذان لها، وتحريم البيع والشراء، وحرمة الانفضاض من خلف الإمام؛ لأن الله تعالى عاتب الذين انفضوا من خلفه عليه الصلاة والسلام بقوله: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا} [الجمعة: 11] وذلك لما أقبلت القافلة من الشام خرجوا إليها وتركوه عليه الصلاة والسلام قائما يخطب، قيل: لم يبق معه إلا اثني عشر وهم الصحابة العشرة والحادي عشر بلال، واختلف في الثاني عشر فقيل عمار بن ياسر وقيل ابن مسعود:
واللهو هو النظر إلى صورة دحية بن خليفة الكلبي؛ لأنه كان من أجمل الناس وكان أقبل مع القافلة، ودلت الآية أيضا على طلب القيام في الخطبة.
وأما السنة فما رواه أحمد ومسلم من حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لقوم يتخلفون عن الجمعة:"لقد هممت أن آمر رجلا يصلي بالناس ثم أحرق على رجال يتخلفون"