من حرمة الصلاة بعد خروج الخطيب ولو للداخل وهو مشهور مذهب مالك ومقابله جواز إحرامه ولو في حال الخطبة، وعليه السيوري من علمائنا وهو مذهب الشافعي أيضا قائلا: الركوع أولى؛ لأنه تحية المسجد لما في الصحيحين: أن سليكا الغطفاني دخل المسجد والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب فقال له صلى الله عليه وسلم:"أصليت؟"فقال: لا، فقال:"قم فصل ركعتين تجوز فيهما"1 ولخبر:"إذا جاء أحدكم المسجد والإمام يخطب فليصل ركعتين خفيفتين ثم يجلس"2.
ودليلنا ما في أبي داود والنسائي: أن رجلا تخطى رقاب الناس والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب فقال له:"اجلس فقد آذيت"3 فأمره بالجلوس دون الركوع، والأمر بالشيء نهي عن ضده، وخبر:"إذا قلت لصاحبك أنصت والإمام يخطب فقد لغوت"4 نهي عن النهي عن المنكر مع وجوبه، فالمندوب أولى، وأما خبر سليك الغطفاني وأمره صلى الله عليه وسلم له بالركوع لما دخل المسجد وهو يخطب فيحتمل نسخه بنهيه صلى الله عليه وسلم على الصلاة حينئذ كما في الخبر السابق، وعلى تقدير معارضته وعدم نسخه فحديثنا أولى كما قال ابن العربي لاتصاله بعمل أهل المدينة ولجريه على القياس من وجوب الاشتغال بالاستماع الواجب وترك التحية المندوبة، وأما الجواب بأن سليكا كان صعلوكا ودخل يطلب شيئا فأمره صلى الله عليه وسلم أن يصلي ركعتين ليتفطن له الناس فيتصدقون عليه فلا يدفع المعارضة، وكذا الجواب باحتمال قطعه صلى الله عليه وسلم الخطبة له، لأن الحرمة عندنا تدخل بمجرد توجه الخطيب إلى المنبر، وإنما قصرنا الكلام السابق على المأموم لقول المصنف هنا:"ولا يفعل ذلك"المذكور من التنفل قبل صلاة الجمعة"الإمام"لكراهة التنفل في حقه إذا دخل المسجد بعد الزوال؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم يفعل ذلك."وليرق المنبر كما يدخل"أي ساعة دخوله ولا يجلس بعد دخوله، وأما لو دخل المسجد قبل الزوال أو بعده وقبل حضور الجماعة فإنه يطالب بتحية المسجد. ثم شرع في بيان صفة إيقاع الصلاة في الخوف فقال:
ـــــــ
1 صحيح: أخرجه البخاري مختصرا، كتاب الجمعة، باب إذا رأى الإمام رجلا جاء وهو يخطب أمره حديث"930"، ومسلم، كتاب الجمعة، باب التحية والإمام يخطب، حديث"875".
2 صحيح: أخرجه البخاري، كتاب الصلاة، باب إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين، حديث"444"، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب ما يقول إذا دخل أحدكم المسجد، حديث"713".
3 صحيح: أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب تخطي رقاب الناس يوم الجمعة، حديث"1118"، والنسائي، حديث"1399"وانظر: صحيح الجامع 155"."
4 صحيح: أخرجه البخاري، كتاب الجمعة، باب الإنصات يوم الجمعة والإمام يخطب حديث"934"، ومسلم، كتاب الجمعة، باب الإنصات يوم الجمعة في الخطبة، حديث"851"، وأبو داود، حديث"1112"، والترمذي، حديث"512"، والنسائي، حديث"1401"، وابن ماجه، حديث"1110".