عليه الفهم، والحال أنه يسمع قرع نعال الحاضرين للدفن. قال الله تعالى: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} [إبراهيم: 27] والمراد بالحياة الدنيا عند خروج روحه، والمراد بالآخرة وقت سؤال الملكين في القبر كما تقدم بسطه في العقيدة."ولا تبتله"أي لا تختبره"في قبره بما لا طاقة له به"أي لا قدرة له على رد جوابه لما ورد من أن صفة السؤال مختلفة بالصعوبة والسهولة."وألحقه بنبيه صلى الله عليه وسلم"أي اجعله في جواره ومشمولا بشفاعته، واختار هذا الدعاء؛ لأنه مروي عن بعض السلف لا أنه يتعين دون غيره، إذ قد ورد أنه يقول:"بسم الله وعلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم تقبله بأحسن قبول". قال الإمام أشهب: عقب هذا الدعاء إن دعا بغيره فحسن، وهذا الذي ذكره المصنف من الدعاء مما زاده المصنف على خليل فرحم الله الجميع ولما فرغ من الكلام على دفن الميت شرع يتكلم على حكم إظهار قبره فقال:"ويكره البناء على القبور"وكذا تحويز مواضعها بالبناء حولها؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم يفعله ولم يأمر به، وإنما صدر منه صلى الله عليه وسلم أنه وضع بيده الكريمة حجرا عند رأس عثمان بن مظعون وقال:"أعلم به قبر أخي وأدفن إليه من مات من أهله"1 ومحل الكراهة للبناء إذا عرى قصد المباهاة وإلا حرم، كما إذا كان يترتب عليه مفسدة كصيرورته مأوى للصوص أو غيرهم، ومحلها أيضا إذا كان في أرض مملوكة للباني أو مباحة كموات، وأما في أرض محبسة فحرام كالقرافة بمصر، ومحلها أيضا ما لم يقصد به مجرد تمييز القبر وإلا جاز.
قال خليل: وجاز للتمييز، قال شراحه: أي البناء أو التجويز، كما يجوز وضع خشبة أو حجر عليه بلا نقش وإلا كره إلا أن يكون النقش بقرآن فتظهر الحرمة خوف الامتهان، والحاصل أن البناء على القبر على ثلاثة أحوال، وهي في البناء على خصوص القبر؛ لأنه حبس على الميت، وأما القبب ونحوها مما يضرب على القبر فلا شك في حرمتها في الأرض المحبسة على دفن الأموات لما في ذلك من التحجير على ما هو حق لعموم المسلمين."و"كما يكره البناء على القبور على الوجه المذكور يكره"تجصيصها"أي تبييضها خلافا لأبي حنيفة لنا ما رواه مسلم وغيره من نهيه عليه الصلاة والسلام عن تجصيص القبر والبناء عليه، وما ورد أيضا من أن الملائكة تكون على القبر تستغفر لصاحبه ما لم يجصص فإن جصص تركوا الاستغفار، وعلى هذا كله الإشارة بقول خليل عاطفا على المكروه: وتطيين قبر وتبييضه وبناء عليه وتحويز فإن بوهي به حرم، وجاز للتمييز كحجر أو خشبة بلا نقش إلا كره، ولما كان
ـــــــ
1 حسن أخرجه أبو داود، كتاب الجنائز، باب في جمع الموتى في قبر يعلم، حديث"3206"، وحسنه الألباني"الأحكام 155".