الأوائل، فأعطاه الله تعالى ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، ومعنى ذلك أن العمل الصالح في ليلة القدر خير من عمل ألف شهر ليس فيها ليلة القدر، والمراد عمل ليلها ونهارها، كما أن المراد بالألف شهر ما يشمل الليل والنهار، ووقع خلاف هل يحصل الثواب المذكور لمن عمل عالما بها أو يحصل لكل من صدر منه العمل ولو لم يشعر بها؟ والصواب من ذلك الخلاف حصول الثواب مطلقا، لكن ثواب من عمل مع العلم بها بظهور شيء من علاماتها أتم من ثواب من لم يعلم، وعلاماتها كثيرة:
منها: أن المياه المالحة تعذب تلك الليلة ثم ترجع إلى أصلها، ومنها: أن الشمس لا تطلع يومها على قرني شيطان بخلاف يوم غيرها، ومنها: اقشعرار وبكاء.
ومنها: أن تلك الليلة تكون مشرقة نيرة ومعتدلة لا حارة ولا باردة ولا سحاب فيها ولا مطر ولا ريح، ولا يرى فيها نجم، وتطلع الشمس صبيحتها مشعشعة حمراء لا شعاع لها، كان عليه الصلاة والسلام يأمر من رأى علامة ليلة القدر أن يقول: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني.
وقالت عائشة رضي الله عنها: لو رأيت ليلة القدر ما سألت الله إلا العفو والعافية. هذا ملخص الكلام على ليلة القدر.
قال الباجي: مقتضى هذا اختصاص هذه الأمة بها، وثواب العمل فيها أكثر من ثوابه في ألف شهر ليس فيها ليلة قدر، وعدة الألف شهر بالسنين ثلاث وثمانون سنة.
ولما فرغ من الكلام على معظم أركان الإسلام بعد الشهادتين وهو الصلاة والصوم، شرع في الزكاة وكان الأنسب تقديمها بعد الصلاة وتأخير الصوم عنها كما في حديث:"بني الإسلام على خمس"1 ولعله إنما أخرها عن الصوم لمناسبة الصوم للصلاة فقال:
ـــــــ
1 صحيح: أخرجه البخاري، كتاب الإيمان، باب: بني الإسلام على خمس، حديث"8"ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان أركان الإسلام ودعائمه العظام، حديث"16"، والترمذي، حديث"2609"، والنسائي، حديث"5001"، وأحمد"2/26"حديث"47981".