الإحرام أشد من مفسدة الاعتكاف، ومما يجوز للمعتكف قراءة القرآن على غيره وسماعه من غيره وسلامه على من بقربه من صحيح أو مريض.
ثم بين وقت خروجه من المسجد بعد تمام اعتكافه بقوله:"ومن اعتكف"بالنذر أو على وجه التطوع عشرة أيام"أول الشهر"رمضان أو غيره"أو وسطه"وأتمها"خرج"جوازا"من اعتكافه بعد غروب الشمس من آخره"لانقضاء اعتكافه بغروب شمس آخر يوم، وفهم من قوله: بعد غروب الشمس أنه لا يجوز الخروج قبل الغروب وهو كذلك من غير خلاف."و"أما"إن اعتكف بما"أي في زمن يتصل فيه"اعتكافه بيوم الفطر"المراد أن يكون آخره غروب الشمس ليلة عيد الفطر والنحر، كمن اعتكف العشر الأخير من رمضان أو الأول من ذي الحجة."فليبت"على جهة الندب"ليلة"يوم عيد"الفطر"أو النحر"في المسجد"الذي اعتكف فيه، وإنما استحب له البيات في المسجد"حتى يغدو منه إلى المصلى"ليصل عبادة بعبادة. قال مالك رضي الله عنه: بلغني أنه عليه الصلاة والسلام كان يفعل ذلك عند اعتكافه العشر الأخير من رمضان.
"خاتمة"يتأكد ندب الاعتكاف في شهر رمضان، والأفضل منه العشر الأخير لأجل طلب ليلة القدر، وهي الليلة التي يقدر فيها - سبحانه وتعالى - جميع الأمور والأحكام الجارية في مخلوقاته في السنة المقبلة المشار إليها بقوله تعالى: {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} [الدخان: 4] ومعنى تقدير الأمور تلك الليلة سوقها إلى مواقيتها وتنفيذ القضاء المقدر؛ لأن الله تعالى قدر الأشياء قبل خلق السموات والأرض، لأن الغالب كونها فيه لخبر:"التمسوها في العشر الأواخر"وهي الليلة المباركة التي أنزل فيها القرآن جملة من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا، ثم كان ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم نجما بعد نجم على قدر الحاجة، وكان نزول أوله وآخره في عشرين سنة، وما قدمناه هو أحد قولين أشار إليهما خليل بقوله: وفي كونها بالعام أو برمضان خلاف. قال مالك والشافعي وأحمد، وأكثر أهل العلم: فإنها لا تختص بليلة، وعلى القولين لا تلزم ليلة بعينها بل تنتقل، فإذا كانت في سنة في ليلة تكون في سنة في ليلة أخرى وهي باقية إلى يوم القيامة على الصواب بدليل حثه صلى الله عليه وسلم على التماسها وما ورد من رفعها، فالمراد رفع تعيينها خلافا لمن قال برفعها جملة وسميت ليلة القدر لتقدير الكائنات فيها من أرزاق وغيرها وإظهارها للملائكة، وسبب امتنان الله تعالى بتلك الليلة على أمة محمد عليه الصلاة والسلام أنه صلى الله عليه وسلم نظر في أعمار من مضى من الأمم وتعجب من طولها مع قصر أعمار أمته وعدم بلوغها عمر