"على كل من استطاع إلى ذلك": البيت"سبيلا": معمول استطاع على حذف مضاف أي سلوك سبيل أي طريق حالة كون ذلك المستطيع."من المسلمين": بناء على عدم خطاب الكفار بفروع الشريعة، والمشهور خطابهم بفروعها، فالإسلام شرط في صحته فقط كسائر العبادات، وفائدة الوجوب عليهم مع عدم صحته منهم عقابهم ووصف المسلمين بقوله:"الأحرار البالغين": فلا يجب على الرقيق ولا على الصبي وإن صح منهما. قال العلامة خليل: وصحتهما أي الحج والعمرة بالإسلام، فيحرم الولي عن الرضيع والمجنون المطبق بخلاف المغمى عليه وإن أيس من إفاقته، وأما شرط الوجوب فأشار إليه خليل أيضا بقوله: وشرط وجوبه كوقوعه فرضا حرية وتكليف وقت إحرامه بلا نية نفل، ووجب باستطاعة بإمكان الوصول بلا مشقة عظمت، وأمن على نفس ومال، فتلخص أن شرط الصحة الإسلام فقط، وشرط الوجوب فقط الاستطاعة وإذن ولي السفيه، وشرط الوجوب مع وقوعه فرضا الحرية والتكليف وقت الإحرام، وشرط وقوعه فرضا فقط عدم نية النفلية.
ثم بين ما تبرأ به الذمة من فريضة الحج بقوله:"مرة": منصوب على المفعول المطلق المبين للعدد عامله فريضة أي وحج بيت الله الحرام فريضة على المستطيع مرة"في عمره": وما زاد على ذلك ففرض كفاية على جميع المسلمين، فإن حصل القيام به من بعض الناس كان نافلة من غيره، كما أن سنة العمرة تحصل بمرة كما يأتي، وما زاد عليها يقع نافلة حيث حصلت في عام آخر، لأنه يكره تكرارها في العام الواحد إلا لعارض، كمن تكرر دخوله الحرم ودخل قبل أشهر الحج.
واختلف هل فرض الحج قبل الهجرة ونزل قوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} [آل عمران: 97] تأكيدا له، أو بعدها سنة خمس أو ست، وصححه الشافعي أو ثمان أو تسع وصححه في الإكمال أقوال، وحج عليه الصلاة والسلام حجة واحدة وهي حجة الوداع في السنة العاشرة، وهذا بالنسبة لما بعد الهجرة، فلا ينافي أنه حج قبلها مرات واعتمر أربع مرات كما قال أنس:"عمرة الصد عن البيت حين أحرم بها وصده المشركون، وعمرته أيضا من العام المقبل، وعمرته مع حجته، وعمرته حين قسم غنائم حنين من الجعرانة في ذي القعدة".
ثم بين السبيل الذي يكون بالتمكن منه مستطيعا بقوله:"والسبيل": لا بالمعنى السابق بل بمعنى الاستطاعة بدليل عطف الزاد وما بعده عليه عبارة عن اجتماع أربعة أمور: أحدها"الطريق السابلة": أي المأمونة فإن لم يأمن فيها على نفسه أو ماله سقط عنه الحج، إلا أن يكون