فهرس الكتاب
فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ [البقرة: 229] وخبر الموطإ من حديث حبيبة بنت سهل لما أرادت فراق زوجها قالت: يا رسول الله كل ما أعطاني عندي، فقال عليه الصلاة والسلام:"خذ منها فأخذ منها وجلست في أهلها"1 فلولا أنه جائز لما أباح له عليه الصلاة والسلام الأخذ منها، وسيأتي تتمة الخلع بعد باب اللعان، وإنما ذكر هذه الجملة هنا لمناسبتها لما قبلها في البينونة، ثم شرع في كنايات الطلاق الظاهرة التي تنصرف إليه بمجرد التلفظ بها ولا تنصرف عنه إلا بالنية، وأما الخفية فلا تنصرف إليه إلا بالنية، والحاصل أن ألفاظه المستعملة فيه على ثلاثة أقسام: صريحة وكناية ظاهرة وكناية خفية، والصريحة لا تنصرف عنه ولو نوى غيره، والكناية الظاهرة تنصرف إليه ولا تنصرف عنه إلا بالنية، والخفية لا تنصرف إليه إلا بالنية، فمن الظاهر قوله:"ومن قال لزوجته أنت طالق ألبتة"بقطع الهمزة"فهي ثلاث"ولو ادعى أقل وسواء"دخل بها أو لم يدخل بها"لأن البت هو القطع، فكأن الزوج قطع العصمة التي بينه وبين زوجته ولم يبق بيده منها شيئا، والدليل على ذلك ما روي:"أن النبي صلى الله عليه وسلم ألزم ألبتة من طلق بها وألزم الثلاثة من طلق بها"2 وقد قضى عمر رضي الله عنه فيها بالثلاث، ولا فرق بين قوله: أنت بتة أو أنت البتة،
فإن قيل: الكناية الظاهرة إذا ادعى صرف اللفظ إلى غير الطلاق يقبل فكيف لا يقبل في البتة؟ فالجواب: أن هذا الضابط أغلبي فلا ينافي أن ألبتة يلزم بها الثلاث ولا تقبل لها نية أقل، لأن الثلاثة صارت مدلولاتها عرفا وشرعا. ولما فرغ مما يلزم فيه الثلاث ولا ينوي مطلقا ذكر ما يلزم فيه الثلاث وينوي في غير المدخول بها بقوله:"وإن قال"الزوج لزوجته أنت"برية أو خلية أو حرام أو حبلك على غاربك"أي كتفك أو كالدم أو كالميتة أو وهبتك أو رددتك لأهلك أو ما أنقلب إليه من أهل حرام، أو أنا بائن أو أنت بائن"فهي ثلاث في التي دخل بها"بعد بلوغه وإطاقتها ولا تقبل نية أقل"وينوي في التي لم يدخل بها"أي تقبل نيته أقل في التي لم يدخل بها، وما ذكره المصنف موافق للمدونة، إلا في قوله: حبلك على غاربك فإن ظاهر المدونة أنه مساو للبتة في لزوم الثلاث من غير تنوية، واقتصر عليه خليل حيث قال: والثلاث في بتة حبلك على غاربك، وكذلك لو قال لزوجته المدخول بها: أنت طالق واحدة بائنة لأن المدخول بها
ـــــــ
1 صحيح: أخرجه أبو داود، كتاب الطلاق، باب في الخلع، حديث"2227"، والنسائي، حديث"3462"، وأحمد"6/433"، حديث"27479"، ومالك، حديث"1198"، وصححه الألباني"الإرواء 7/102 - 103".
2 أخرجه بنحوه البيهقي في الكبرى"7/213"، حديث"3997"، والحاكم في المستدرك"4/37"، حديث"6808"، وأبو يعلى في مسنده"10/63"، حديث"5699".