فأما القمر فإن حاله أظهر. وذلك أن الهلال في الليلة الثانية من الشهر وما يليها قد يظهر ضوؤه على وجه الأرض، وخاصة إذا كان مقابلًا لموضع مظلم فإن ضوؤه يظهر في الموضع المظلم ويوجد مع ذلك ناقصًا ضعيفًا، ثم يزيد ضوؤه في كل ليلة مع زيادة مقداره إلى أن يمتلئ ويوجد ضوؤه عند امتلائه أقوى من جميع أضوائه في ليالي نقصانه. وأيضًا فإن القمر يوجد حاله في الطلوع والغروب في أوقات امتلائه كمثل حال الشمس، وكذلك حاله في الكسوف إذا تجاوز الكسوف مركزه ولم يستغرق جميعه. وإذا اعتبر ضوء القمر النافذ من الثقوب الدقاق أيضًا في أوقات امتلائه جد منخرطًا، وكلما بعد عن الثقب اتسع. فيتبين من انخراط الضوء أن ضوء القمر يشرق من كل جزء من أجزاء القمر لا من جزء منه مخصوص، وان امتداد ضوء القمر إنما هو على السموت المستقيمة فقط.
وكذلك النار أيضًا يوجد فيها هذا المعنى بعينه. وذلك أن النار إذا بعضت بأن يبعض موضوعها الحامل لها فإن كل جزء منها يشرق منه ضوء، ويوجد ضوء كل جزء منها اضعف من ضوء جملتها ، ويوجد ضوء ما صغر من أجزائها أضعف من ضوء ما عظم من أجزائها. وقد يمكن أن تعتبر أجزاء النار من غير أن تبعض أيضًا. فإذا أراد المعتبر أن يعتبر ذلك فليتخذ صفيحة من نحاس، وليكن فيها سعة، وليثقب فيها ثقبًا مقتدًا مستديرًا، ثم يداخل في هذا الثقب أنبوبًا أسطوانيًا صحيح الاستقامة معتدل الاستدارة ذا طول مقتدر، ولتكن سعة الثقب بمقدار سعة الأنبوب، وليكن ثقب الأنبوب ليس بأغلظ من غلظ الميل. ويداخل الأنبوب في ثقب الصفيحة حتى يستوي طرفه مع سطح الصفيحة، ولتثبت هذه الصفيحة على جسم مرتفع عن الأرض ولتكن قائمة على حرفها، ثم يقدم إلى هذه الصفيحة في ظلمة الليل نار، وليكن سراجًا ذا فتيلة غليظة نيرة، فيقابل بها الثقب وتقرب النار من الثقب إلى أن تصير في غاية القرب منه ولا يبقى بينها وبين الثقب مسافة لها قدر، فستظل الجهة التي فيها الأنبوب بظل الصفيحة ولا يترك في الموضع ضوء سوى النار التي تعتبر، وليكن ذلك في موضع لا تخترقه الريح، ثم يقابل طرف الأنبوب بجسم كثيف: فإن ضوء النار يظهر على ذلك الجسم. وليس هناك ضوء إلا الضوء الذي ينفذ في الأنبوب، وليس ينفذ في الأنبوب ضوء إلا ضوء الجزء من النار المقابل لثقب الأنبوب المساوي مساحته لمساحة ثقب الأنبوب فقط إذا كان الضوء ليس يخرج إلا على خطوط مستقيمة، وليس بين الضوء الذي يظهر على الجسم المقابل لطرف الأنبوب وبين شيء من أجزاء النار خطوط مستقيمة لا يقطعها جسم كثيف إلا الجزء المقابل لطرف الأنبوب فقط، لأن الخطوط المستقيمة التي بينه وبين الضوء الظاهر تمتد في داخل الأنبوب ولا يقطعها شيء من الأجسام الكثيفة. فأما الأجزاء الباقية من جرم النار فإن الضوء يخرج منها إلى الطرف الذي يليها فقط من ثقب الأنبوب. فإن دخل منها شيء في طرف الأنبوب فإنه ينقطع بحائط الأنبوب فيبطل ولا ينفذ في طول ثقب الأنبوب، وليس ينفذ في ثقب الأنبوب في تلك الحال إلا ضوء الجزء المقابل لطرفه فقط.