ثم يحرك المعتبر النار رفيقًا حتى يقابل الثقب جزءًا من النار غير ذلك الجزء، ويتأمل الجسم المقابل لطرف الأنبوب الذي كان يظهر عليه الضوء. فإنه يجد الضوء أيضًا يظهر على ذلك الجسم. ثم إذا حرك جرم النار في جميع الجهات ورفعه وحطه حتى يقابل الثقب جزءًا من النار غير ذلك الجزء، ويتأمل الجسم المقابل لطرف الأنبوب الذي كان يظهر عليه الضوء: فإنه يجد الضوء أيضًا يظهر على ذلك الجسم. ثم إذا حرك جرم النار في جميع الجهات ورفعه وحطه حتى يقابل الثقب كل جزء من النار جزءًا بعد جزء وجد الضوء في جميع الأحوال يظهر على الجسم المقابل للأنبوب، ويجد هذا الضوء أضعف من ضوء جملة النار الذي يظهر على الأجسام المنكشفة لجميع جرم النار التي بعدها عن النار كبعد الموضع الذي يظهر فيه الضوء النافذ من الأنبوب عن النار . وإن ضيق المعتبر الثقب بأن يداخل في الأنبوب جسمًا دقيقًا مستقيمًا يسد بعضه والصقه بسطح داخل الأنبوب واعتبر الضوء الذي يخرج من بقية الأنبوب فإنه يجد الضوء أيضًا يظهر على الجسم المقابل للأنبوب ما لم يكن الجزء الذي يبقى من الأنبوب في غاية الضيق، ويجد الضوء الذي يظهر عند تضيق الأنبوب أصغر ومع ذلك أخفى وأضعف من الضوء الأول . فيظهر من هذا الاعتبار أن كل جزء من النار يشرق منه ضوء ، وأن ضوء جميع الجذوة من النار أقوى من ضوء الجزء منها. وأن ضوء الجزء الأعظم أقوى من ضوء الجزء الأصغر.
وأيضًا فإن أثبت المعتبر النار عند ثقب الصفيحة حتى لا ينتقل ولا يتغير الجزء منها المقابل للثقب، ثم ميل الأنبوب حتى يصير وضعه مائلًا على سطح الصفيحة وطرفه مع ذلك عند الثقب، وسد خللًا إن انكشف من طرف الأنبوب ومن ثقب الصفيحة مما يلي باطن الصفيحة، وقابل الأنبوب بالجسم الكثيف، فإنه يجد الضوء يظهر على الجسم الكثيف. وإن غير وضع الأنبوب وميله إلى غير تلك الجهة وقابله بالجسم الكثيف الذي يظهر عليه الضوء وجد الضوء يظهر عليه أيضًا. وإن ميل الأنبوب إلى جميع الجهات وجد الضوء يمتد من ذلك الجزء من النار إلى جميع الجهات التي تقابله على الاستقامة. ثم عن حرك النار حتى يقابل الثقب جزءًا منها غير ذلك الجزء، واعتبر هذا الجزء أيضًا بالوضاع المائلة كما اعتبر الجزء الأول، وجد الضوء يمتد منه أيضًا في جميع الجهات التي تقابله. وكذلك إن اعتبر كل جزء من النار وجده على هذه الصفة. فيظهر من هذا الاعتبار أن الضوء يشرق من كل جزء من النار في كل جهة تقابل ذلك الجزء على سمت الاستقامة.
ويتبين من جميع ما ذكرناه أن كل جسم مضيء من ذاته فإن الضوء يشرق من كل جزء منه على كل سمت مستقيم يمتد من ذلك الجزء.
وإذا كانت هذه الحال تظهر في الأجزاء من الأجسام المضيئة من ذواتها فإن الأجزاء الصغار أيضًا منها، وإن كانت في غاية الصغر ما دامت حافظة لصورتها، فإنها أيضًا مضيئة، والضوء يشرق منها على الصفة التي تشرق من الأجزاء الكبار وإن خفيت أحوال الأجزاء الصغار عن الحس، إذ هذه الحال في الأجسام المضيئة من ذواتها طبيعية وخاصة لازمة لذواتها، وطبيعة صغار الأجزاء وكبارها طبيعة واحدة ما دامت حافظة لصورتها ، فالخاصة التي تخص طبيعتها تكون في كل جزء منها صغر أم كبر ما دام على طبيعته وحافظًا لصورته.
وأيضًا فإن الشمس والقمر والأجرام السماوية ليست أجزاء مجتمعة، بل كل واحد منها جسم واحد متصل وطبيعته واحدة وليس فيها اختلاف وليس موضع منها مخالف الطبيعة لموضع آخر. وكذلك النار ليست أجزاء مجتمعة بل جسم متصل وكل موضع منها شبيه الطبيعة بالمواضع الباقية وطبيعة ما صغر من أجزائها شبيه بطبيعة كبار الأجزاء ما دام الجزء الصغير حافظًا لصورة النار.