الصفحة 13 من 245

فقد تبين من جميع ما استقريناه وشرحناه وبينا طرق اعتباره أن إشراق الضوء من كل جسم مضيء من ذاته إنما هو على سموت خطوط مستقيمة، وان الضوء يشرق من كل جسم مضيء من ذاته في جميع الجهات التي بينه وبينها خطوط مستقيمة لا يقطعها شيء من الأجسام الكثيفة، وان كل جزء من أجزاء الجسم المضيء من ذاته يشرق الضوء منه على هذه الصفة، وان الضوء الذي يشرق على موضع من المواضع من جميع الجرم المضيء يكون أقوى من الضوء الذي يشرق على ذلك الموضع من ذلك البعد من بعض ذلك الجرم، وان الضوء الذي يشرق من جزء اعظم يكون أقوى من الضوء الذي يشرق من جزء أصغر، وان الأجزاء الصغار من الجرم المضيء يلزم فيها أيضًا هذه الحال. وإن تعذر اعتبارها على انفرادها وخفي ضوؤها منفردًا عن الحس فإن ذلك إنما هو لقصور الحس عن إدراك ما هو في غاية الضعف. وإذا كان جميع ذلك كذلك فالضوء إذن الذي يشرق من الجرم المضيء من ذاته في الهواء المشف إنما يشرق من كل جزء مقابل لذلك الهواء من الجرم المضيء، ويكون الضوء في الهواء المضيء متصلًا ملتئمًا، وتكون كل نقطة من الجرم المضيء يخرج الضوء منها على كل خط مستقيم يصح أن يتوهم ممتدًا من تلك النقطة في ذلك الهواء. فعلى هذه الصفة يكون إشراق الأضواء من الأجسام المضيئة من ذواتها في الهواء المشف المتشابه الشفيف. فلنسم الأضواء التي تشرق من الأجسام المضيئة من ذواتها الأضواء الأول .

وأيضًا فإنا نجد الأرض مضيئة في أول النهار وآخره قبل طلوع الشمس وبعد غروبها، وليس شيء من المواضيع المضيئة في هذين الوقتين مقابلًا لجرم الشمس ولا لشيء منها، وليس لضوء النهار علة غير الشمس إذ ليس يزيد في النهار ضوء لم يكن في الليل إلا ضوء الشمس فقط. وأيضًا فإن الشمس إذا طلعت وصارت فوق الأرض فإنا نجد المساكن وأفنية الدار التي هي مستترة عن الشمس بالحيطان والسقوف مضيئة مع ذلك وليست مقابلة للشمس ولا لشيء منها. وكذلك أظلال الجبال والأجسام الكثيفة وجميع الأظلال توجد مضيئة بالنهار مع استتارها عن جرم الشمس بالأجسام الكثيفة التي هي أظلال لها. ونجد أيضًا كثيرًا من المساكن المستترة عن السماء مضيئة قبل طلوع الشمس وبعد غروبها مع استتار الشمس ومع استتار هذه المواضع عن السماء. فلنبحث الآن عن كيفية هذه الأضواء بالاستقراء والاعتبار من أحوالها وخواصها.

فنقول: إننا نجد ضوء المصباح يبتدئ من أجزاء الليل وقد بقي قطعة من الليل فيمتد من أفق المشرق ذاهبًا نحو وسط السماء كالعمود المستقيم، ويوجد ضعيفًا خفيًا، ويوجد مع ذلك وجه الأرض مظلمًا بظلمة الليل. ثم يقوى هذا الضوء ويزيد مقداره في العرض والطول ويقوى نوره، والأرض مع ذلك مظلمة. ثم لا يزال يتزايد مقداره ويقوى نوره، فيضيء حينئذ وجه الأرض المقابل لذلك الضوء المنكشف له بضوء ضعيف دوم الضوء الذي يظهر في الجو في ذلك الوقت. ثم لا يزال الضوء الذي في الجو يقوى وينبسط إلى أن يملئ أفق المشرق ويبلغ إلى وسط السماء ويمتلئ الجو ضوءًا وحينئذ يقوى الضوء الذي على وجه الأرض ويصير نهارًا واضحًا والشمس مع ذلك تحت الأفق وغير ظاهرة. ثم تطلع الشمس بعد هذه الحال فيزداد النهار وضوحًا. وكذلك نجد الضوء في آخر النهار وبعد أن تغرب الشمس وتخفى تحت الأفق: يكون وجه الأرض مضيئاَ بضوء واضح والجو مع ذلك مضيء بضوء قوي. ثم لا يزال ضوء الجو يضعف ووجه الأرض يتناقص ضوؤه إلى أن يجن الليل. ثم إنا نجد أيضًا ضوء الشمس إذا أشرق على بعض الجدران، وكان مقابلًا ذلك الجدار وبالقرب منه مكان مظلم، فإن ذلك المكان يضيء بعد أن كان مظلمًا. وإذا كان لذلك المكان المظلم باب، وكان مقابل الباب في داخل ذلك المكان جدار، فإن الجدار المقابل للباب ولضوء الشمس المشرق على الجدار الخارج وما واجه الباب وضوء الشمس من أرض البيت إنما يكون أشد إضاءة من بقية البيت. ثم إذا زالت الشمس وزال ضوؤها المشرق على ذلك الجدار عاد الموضع مظلمًا. وكذلك نجد النهار وضوء القمر وضوء النار إذا أشرق على الجدار، وكان مقابل ذلك الجدار موقع مظلم، فإنه يضيء بذلك الضوء، وإذا بطل ذلك الضوء عاد الموضع مظلمًا. وكذلك نجد كل موضع مضيء بضوء قوي، أي ضوء كان، إذا كان مقابلًا له مكان مظلم وكان قريبًا منه وكان بينهما منفذ فإن الموضع يضيء بالضوء المقابل له.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت