والذي يدل دليلًا ظاهرًا على أن إدراك عظم المبصر يكون بقياس العظم إلى بعد المبصر هو أن البصر إذا أدرك مبصرين مختلفي البعد أحدهما اقرب إلى البصر من الآخر، وكانا يوتران زاوية واحدة بعينها عند مركز البصر، أعني أن تكون الشعاعات التي تمر بأطراف الأول منها تنتهي إلى أطراف الثاني، وكان الأول لا يستر جميع الثاني من جميع جهاته، بل كان بعض الثاني يظهر من وراء الأول، وكان البصر يدرك بعد كل واحد منهما إدراكًا متيقنًا، فإن المبصر الأبعد يدركه البصر أبدًا أعظم من المبصر الأقرب، وكلما كان المبصر الأبعد أكثر بعدًا وكان البصر يتيقن مقدار بعده، فإنه يدرك مقداره أكثر عظمًا. ومثال ذلك أن الإنسان إذا نظر إلى جدار فسيح الأقطار وكان بعده من البصر بعدًا معتدلًا وكان البصر يتيقن بعد ذلك الجدار ويتيقن مقدار عرضه، ثم رفع يده وقابل بها أحد بصريه حتى تصير متوسطة بين بصره وبين ذلك الجدار وغمض البصر الآخر ونظر في هذه الحال إلى ذلك الجدار، فإنه يجد يده قد سترت قطعة عظيمة القدر من ذلك الجدار ويدرك مقدار يده في تلك الحال ويدرك أن المقدار الذي استتر بيده من الجدار أعظم بكثير من مقدار يده. وخطوط الشعاع التي تنتهي إلى محيط يده وإلى محيط المستتر من الجدار في تلك الحال هي خطوط واحدة بأعيانها، والزاوية التي تحيط بها تلك الخطوط هي زاوية واحدة بعينها، والعرض الذي بين تلك الخطوط هو واحد بعينه، والبصر يدرك سموت خطوط الشعاع ويدرك الزاوية التي توترها يده والجدار المستتر بيده هي زاوية واحدة بعينها، وهو يدرك تلك الحال أن الجدار المستتر بيده أعظم كثيرًا من يده. وإذا كان ذلك كذلك فإن القوة المميزة في تلك الحال تدرك أن المبصرين المختلفي البعد اللذين يوتران زاوية واحدة يكون الأبعد منهما أعظم قدرًا.
ثم إذا ميل الناظر بصره في تلك الحال، ونظر إلى جدار أخر هو أبعد من ذلك الجدار وقابل بصره بيده فإنه يجد مقدار المستتر من الجدار الثاني أعظم من مقدار ما استتر من الجدار الأول. وإذا نظر في تلك الحال إلى السماء فإنه يجد يده قد سترت نصف ما يظهر من السماء أو قطعة عظيمة منها.ولا يشك الناظر في أن يده ليس لها قدر محسوس بالقياس إلى ما استتر من السماء. فيتبين من هذا الاعتبار أن البصر يدرك مقدار عظم المبصر من قياس عظم المبصر بمقدار بعده مع القياس بالزاوية، لا من القياس بالزاوية فقط. ولو كان إدراك مقدار العظم بحسب الزاوية فقط لكان المبصران المختلفا البعد اللذان يوتران زاوية واحدة بعينها عند مركز البصر يريان متساويين. وليس يدرك البصر المبصرين اللذين بهذه الصفة قط متساويين إذا كان يدرك بعديهما ويتيقن مقداري بعدهما. فمقدار عظم المبصر إنما يدرك بالتمييز من تخيل القوة المميزة للمخروط الذي يحيط بالمبصر ومن تخيلها لمقدار زاوية المخروط مع تخيلها لمقدار طول المخروط ومن قياس قاعدة المخروط بمقدار زاويته ومقدار طوله معًا. وهذا هو كيفية إدراك العظم.
والبصر لكثرة اعتياده لتمييز أبعاد المبصرات فهو في حال إحساسه بالصورة وببعد المبصر قد تخيل مقدار موضع الصورة ومقدار البعد، وأدرك من مجموع المعنيين عظم البصر. إلا أن مقادير أبعاد المبصرات هي من جملة الأعظام التي يدركها البصر. وقد تقدم أن مقادير أبعاد المبصرات منها ما يدرك بالتيقن ومنها ما يدرك بالحدس. والتي تدرك بالحدس إنما تدرك من تشبيه بعد المبصر بأبعاد أمثاله من المبصرات المتيقنة البعد، والأبعاد المتيقنة المقادير هي التي تسامت أجسامًا مرتبة متصلة. ومن إدراك البصر للأجسام المرتبة المتصلة التي تسامتها ومن تيقنه لمقادير تلك الأجسام يكون تيقن مقادير أبعاد المبصرات التي عند أطرافها. فقد بقي أن نبين كيف يدرك البصر مقادير أبعاد المبصرات التي تسامت أجسامًا مرتبة متصلة وكيف يتبين مقادير الأجسام المرتبة المتصلة التي تسامت أبعاد المبصرات.