الصفحة 115 من 245

والأجسام المرتبة المتصلة التي تسامت أبعاد المبصرات هي في الأكثر أجزاء الأرض التي تلي القدمين. والمبصرات المألوفة التي يدركها البصر دائمًا وعلى الاستمرار هي المبصرات التي على وجه الأرض التي جسم الأرض متوسط بينها وبين جسم الإنسان الناظر إليها. ومقادير الأجزاء من الأرض المتوسطة بين الناظر وبين المبصرات التي على وجه الأرض التي تسامت أبعاد هذه المبصرات عن البصر يدركها البصر دائمًا ويقدرها ويدرك مقاديرها. وإدراك البصر لمقادير الأجزاء من الأرض المتوسطة بين الناظر وبين المبصرات التي على وجه الأرض إنما هو من تقديره بعضها ببعض ومن تقدير ما بعد عنه من أجزاء الأرض بما قرب إليه منها وما تيقن منها. ثم من استمرار إدراكه لأجزاء الأرض واستمرار تقديره لها وكثرة تكرر هذا المعنى على البصر صار يدرك مقادير أجزاء الأرض التي تلي القدمين بالمعرفة وبتشبهها بما أدركه من أمثالها. فالبصر إذا لحظ الجزء من الأرض المتوسطة بينه وبين مبصر من المبصرات فقد عرف مقداره لكثرة تكرر إدراكه لأمثال ذلك الجزء من الأرض وتوسط أمثال ذلك الجزء بينه وبين المبصرات. وهذا المعنى هو من المعاني التي يكتسبها الحاس منذ أول النشوء ومنذ الطفولية وعلى مر الزمان، فتحصل مقادير أبعاد المألوف من المبصرات متشكلة في التخيل ومستقرة في النفس من حيث لا يحس الإنسان بكيفية استقرارها.

فإما كيف ابتداء إدراك الحاس لمقادير أجزاء الأرض المتوسطة بينه وبين المبصرات فإن أول ما يتحقق مقداره منها هو ما يلي القدمين. فإن ما يلي القدمين من الأرض يدرك البصر مقداره، وتدرك القوة المميزة مقداره وتتحقق مقداره وسعته بمساحة جسم الإنسان له. فإن ما يلي القدمين من الأرض فالإنسان يقدره دائمًا من غير قصد بقدميه حين يخطو عليه وبذراعه وباعه حين يمد يده إليه. فكل ما قرب من الإنسان من جسم الأرض فهو يتقدر دائما ًبجسم الإنسان من غير قصد. والبصر يدرك هذا التقدير ويحس به، والقوة المميزة تدرك هذا التقدير وتفهمه وتتيقن منه مقادير أجزاء الأرض المتصلة بجسم الإنسان والقريبة منه. فمقادير أجزاء الأرض القريبة من الإنسان وما حوله منها فقد حصلت مفهومة عند الحاس وعند القوة المميزة، وقد حصلت صورتها متخيلة عند القوة المميزة ومستقرة في النفس. والبصر يدرك هذه الجزاء من الأرض دائمًا، والحاس يحس بالسموت التي تمتد من البصر إلى أطراف هذه الأجزاء عند إدراك البصر لها وعند تفقد البصر لجسم الأرض والأبعاد المتوسطة بينه وبين المبصرات من جسم الأرض، ويدرك الأجزاء من سطح العضو الحاس التي تحصل فيها صورة هذه الأجزاء من الأرض، ويدرك مقادير الأجزاء من البصر ومقادير الزوايا التي توترها هذه الجزاء من البصر. فالزوايا التي توترها الأجزاء من الأرض القريبة من الإنسان قد حصلت مقاديرها مفهومة عند الحاس على مر الزمان وحصلت صورتها متخيلة في النفس. ومقادير أطوال خطوط الشعاع التي تمتد من مركز البصر إلى أطراف الأجزاء من الأرض القريبة من الإنسان يدركها الحاس وتدركها القوة المميزة وتتيقن مقاديرها، لأن أطوال هذه السموت هي تتقدر أبدًا بجسم الإنسان بغير قصد. فإن كان الإنسان قائمًا ونظر إلى الأرض وإلى ما يلي قدميه من الأرض فإن أطوال خطوط الشعاع تتقدر بقامته، وتفهم القوة المميزة فهمًا يقينيًا أن البعد الذي بين البصر وبين الجزء من الأرض الذي يلي القدمين هو مقدار قامة الإنسان.

وكذلك إن كان جالسًا ونظر إلى ما يلي جلسته من الأرض ، فإن القوة المميزة تدرك أن بعد الجزء من الأرض الذي يلي موضع جلوسه عن البصر هو مقدار ارتفاع جلسته. فأبعاد المواضع من الأرض المتصلة بجسم الإنسان مفهومة المقادير عند القوة المميزة وصورها مستقرة في النفس. فإذا لحظ البصر الجزء من الأرض الذي يلي القدمين فقد أدرك الحاس السموت التي تنتهي إلى أطراف ذلك الجزء وتخيلت القوة المميزة مقادير أطوال السموت التي تنتهي إلى أطرافها ومقادير الزوايا التي تحيط بها تلك السموت. وإذا تخيلت القوة المميزة مقادير أطوال السموت ومقادير الزوايا التي تحيط بها السموت أدركت مقدار المسافة التي بين أطراف تلك السموت إدراكًا متيقنًا. فعلى هذه الصفة تتيقن مقادير الأجزاء من الأرض المحيطة بالإنسان بحاسة البصر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت