الصفحة 116 من 245

ثم ما يلي هذه الأجزاء من الأرض في جهة التباعد يدرك البصر مقاديرها من قياس مقادير خطوط الشعاع التي تمتد إلى أطرافها بمقادير خطوط الشعاع التي تمتد إلى الجزاء الأول التي تلي الإنسان، فتقيس القوة المميزة الشعاع الثالث الذي ينتهي إلى الطرف الأبعد من الجزء الثاني بالشعاع الثاني المشترك للجزء الأول وللجزء الثاني، فتحس بمقدار زيادة الشعاع الثالث على الثاني. وإذا أحست بزيادة الشعاع الثالث على الثاني فقد أحست بمقدار الشعاع الثالث. وهي تدرك مقدار الشعاع الثاني إدراكًا متيقنًا، فيصير الشعاعان المحيطان بالجزء الثاني من الأرض، أعني بعدي السمتين، معلومي المقدار عند القوة المميزة. ووضع أحدهما عند الآخر الذي منه تتقوم الزاوية معلوم لها من إدراكها للجزء من البصر الذي يحيط به هذان الشعاعان. وإذا أدركت طولي الشعاعين ووضعهما فقد أدركت المسافة التي بين طرفيها إدراكًا متيقنًا. فعلى هذه الصفة تدرك القوة المميزة أيضًا مقادير الأجزاء من الأرض التي تلي الأجزاء المحيطة بالقدمين.

وأيضًا فإن الأجزاء التي تلي الأجزاء المحيطة بالقدمين هي تتقدر أيضًا بجسم الإنسان. فإن الإنسان إذا مشى على الأرض يقدر ما يمشي عليه من الأرض بقدميه وخطوه وأدركت القوة المميزة مقداره. وإذا مشى الإنسان على الأرض فإنه إذا تجاوز الموضع الذي كان فيه والأجزاء المتصلة بقدميه من الأرض، وصار إلى ما يلي تلك الأجزاء من سطح الأرض، فإن الأجزاء التي تنتهي إليها التي كانت تالية لما يلي قدميه تصير هي التي تلي قدميه وتتقدر كمثل ما تقدرت الأجزاء الأول. فتتحقق مقادير الأجزاء التوالي من الأرض على هذه الصفة، ويصير البصر يدرك التالي على مثل ما كان يدرك الأول. فإذا أدرك البصر الجزء الثاني في الحال الثانية وهو يلي القدمين فهو يدرك مقداره إدراكًا متيقنًا لا لبس فيه، وقد أدركه في الحالة الأولى تاليًا، فيتحقق له بالإدراك الثاني الإدراك الأول. فإن لم يكن مقداره تحقق بالقياس الأول تحقق بالقياس الثاني، وتحرر له القياس الأول، فيصير من بعد ذلك إذا أدرك جزءًا تاليًا من أجزاء الأرض لم يغلط في قياس مقداره. وهذا التقدير وهذا التمييز يدركه الحاس ويقدره دائمًا من غير قصد، بل من نظر البصر دائمًا إلى أجزاء الأرض وإلى المواضع التي يخطو عليها الإنسان يدرك الحاس والتمييز هذا المعنى بطريق العرض من غير قصد، ثم من استمرار هذا المعنى وكثرة تكرره وتكرر إدراك البصر لمقادير أجزاء الأرض قد تحررت مقادير الأجزاء التي تلي القدمين من الأرض ومقادير ما يليها ويتصل بها من الأجزاء من جسم الأرض. فعلى هذه الصفة يكتسب الحاس والتمييز مقادير أجزاء الأرض المحيطة بالإنسان والقريبة منه المتوسطة بين ابصر وبين المبصرات. وهذا الاكتساب يكون في أول النشوء، ثم تستقر مقادير أبعاد المبصرات المألوفة التي على وجه الأرض عند الحاس وعند القوة المميزة، فيصير إدراك أبعاد هذه المبصرات المألوفة التي على وجه الأرض بالمعرفة ومن تشبيه أبعاد بعضها بأبعاد بعض وفي حال ملاحظة الأجسام المتوسطة بينها وبين البصر ومن غير استئناف تمييز وقياس بل بالمعرفة والتشبيه فقط.

ولسنا نعني بإدراك الحاس والتمييز لمقادير أبعاد المبصرات التي على وجه الأرض بالاكتساب أن يدرك كم ذراع هو كل بعد من الأبعاد، ولكنه يحصل لكل بعد ولكل جزء من الأرض مقدار متخيل محصور، فيقيس مقادير أبعاد المبصرات التي يدركها من بعد بتلك المقادير المحصورة التي حصلت عنده ويشبهها به. وقد حصل للذراع أيضًا وللشبر ولكل واحد من المقادير التي يقاس بها مقدار محصور عنده، فمتى أدرك الناظر بعدًا ما أو مسافة ما وأحب أن يعلم كم ذراع هي ، قاس الصورة التي حصلت في التخيل لذلك البعد أو تلك المسافة بالصورة التي حصلت في التخيل للذراع، فيدرك بهذا القياس كمية البعد بالقياس إلى الذراع أو ما يجري مجراه على غاية ما يمكن من التقريب بالتخيل. ولهذا يقول الإنسان كان بيني وبين فلان عشر خطوات أو خمس خطوات أو كذا ذراعًا أو قيد رمح أو شوط فرس أو غلوة سهم، إذا قاس البعد الذي بينه وبين ذلك الإنسان بالخطوة أو بالذراع أو بالباع أو إحدى المقادير التي لها صورة في نفسه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت