الصفحة 117 من 245

وأيضًا فإن من عادة الإنسان إذا أراد أن يتحقق معنى من المعاني فإنه يكرر النظر إليه ويتأمله ويميز معانيه ويعتبرها فيدرك بالتأمل والتمييز وتكرير النظر حقيقة ذلك المعنى. فالناظر إذا أدرك مبصرًا من المبصرات التي على وجه الأرض وأراد أن يتحقق بعده فإنه يتأمل الجزء المتصل من الأرض بينه وبينه ويحرك البصر في طول الجزء الذي بينه وبينه. وإذا تحرك البصر في طول الجزء من الأرض الذي بين المبصر وبين الناظر إليه تحرك سهم الشعاع على ذلك الجزء فمسحه مساحة وأدركه جزءًا جزءًا وأحس بأجزائه الصغار إذا كان بعد آخر المسافة من الأبعاد المعتدلة. وإذا أدرك البصر أجزاء الأرض وأدرك أجزائها الصغار أدركت القوة المميزة مقدار جميع المسافة. وذلك بأن بحركة سهم الشعاع على المسافة يتحرر للقوة المميزة مقدار الجزء من البصر الذي تحصل فيه صورة تلك المسافة ومقدار الزاوية المتوهمة التي توترها تلك المسافة ومقدار طول الشعاع الذي يمتد إلى آخر المسافة بتيقنه امتداده على مسامته جزء جزء من المسافة. فإذا تحرر هذان المعنيان للقوة المميزة فقد تحرر مقدار الجزء المبصر من الأرض. وكذلك الأجسام المرتفعة على الأرض الممتدة في جهة التباعد كالجدران والأبنية والجبال يدرك البصر مقادير أطوالها الممتدة على وجه الأرض على مثال ما يدرك مقادير أجزاء الأرض، ويدرك أبعاد المبصرات المسامتة لها من إدراكه لمقادير أطوالها. فعلى هذه الصفة يتحقق البصر مقادير أبعاد المبصرات إذا كانت أبعادها من الأبعاد المعتدلة وكانت مسامته لأجسام مرتبة متصلة.

والمبصرات التي على وجه الأرض منها ما أبعادها معتدلة ومقادير الأجزاء من الأرض المتوسطة بينها وبين البصر مقادير معتدلة، ومنها ما أبعادها متفاوتة وخارجة عن حد الاعتدال، ومقادير الأرض المتوسطة بينها وبين البصر متفاوتة العظم.

ومقادير أجزاء الأرض يدركها البصر على الوجه الذي بيناه. فما كان منها قريبًا ومعتدل المقدار فالبصر يدرك مقاديرها ويتحقق مقاديرها على الوجه الذي بيناه، وما كان منها متفاوتًا في التباعد فليس يتحقق البصر مقداره ولا يقدر على تحققه.

وذلك أن البصر إذا اعتبر المسافات وتأملها فإن ما يدرك مقاديرها ما دام يحس بزيادة طول الشعاع وما دام يحس بالزوايا التي توترها الأجزاء الصغار من أجزاء المسافة عند حركة السهم على المسافة.

وهو يتحقق مقدار المسافة ما دام يحس بالزيادة اليسيرة في طول الشعاع وبالزيادة اليسيرة في الزاوية التي توترها المسافة.

وإذا تفاوت البعد لم يحس بالزيادة اليسيرة في طول الشعاع ولم يحس في حركة الشعاع على الجزء الصغير من المسافة الذي بعده متفاوت ولم يحس بالزاوية التي يوترها الجزء الصغير من البعد المتفاوت، فلا يتحقق طول الشعاع الذي ينتهي إلى طرف المسافة ولا يتحقق مقدار الزاوية التي توترها تلك المسافة وإذا لم يتحقق طول الشعاع الذي ينتهي إلى طرف المسافة ولم يتحقق مقدار الزاوية التي توترها المسافة لم يتحقق مقدار المسافة.

وأيضًا فإنه إذا تفوت البعد فإن الأجزاء الصغار من المسافة التي في آخر المسافة ليس يدركها البصر ولا تتميز للبصر لأن المقدار الصغير إذا كان على بعد متفاوت خفي عن البصر. فإذا تحرك سهم الشعاع على المسافة البعيدة المتفاوتة، فهو إذا انتهى إلى البعد المتفاوت فإنه يقطع الجزء الصغير من المسافة ولا يحس الحاس بحركته، لأن الجزء الصغير ليس يفعل عند مركز البصر من البعد المتفاوت زاوية محسوسة، فيصير سهم الشعاع إذا تحرك على المسافة البعيدة وأحس البصر بأنه قد قطع جزءًا من المسافة فإن مقدار ذلك الجزء الذي قطعه ليس هو المقدار الذي أدركه الحس بل هو أعظم مما أدركه الحس وكلما زاد بعد المسافة كانت الأجزاء التي تخفى عند آخر المسافة وتخفى حركة الشعاع عليها أعظم. فالأبعاد المتفاوتة التي على وجه الأرض ليس يتحقق البصر مقاديرها لأنه ليس يتحقق مقدار طول الشعاع الذي ينتهي إلى آخرها ول مقدار الزاوية التي توترها تلك المسافة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت