وأيضًا فإن الحاس يحس بتيقن مقدار المسافة والتباس حقيقة مقدار المسافة. وذلك أن المبصرات ما كان منها قريبًا من البصر على أبعاد معتدلة فإنها تكون أصدق رؤية، أعني أن صورها تكون أبين ويدركها البصر إدراكًا أبين وتكون ألوانها بينة وأضواؤها ظاهرة وأوضاع سطوحها عند البصر وأوضاع أجزائها وصورة أجزائها وأجزاء سطوحها تكون بينة للبصر، وإذا كان فيها تخطيط أو غضون أو وشوم أو أجزاء صغار متميزة ظهرت للبصر ظهورًا بينًا وأدركها البصر إدراكًا محققًا. وليس كذلك المبصرات المتفاوتة الأبعاد، فإن المبصر إذا كان على بعد متفاوت فليس يتحقق البصر صورته على ما هي عليه ولا يكون بينًا للبصر، فلونه يكون متشابهًا وضوؤه وهيئة سطوحه ولا يظهر فيه شيء من المعاني اللطيفة ولا من الأجزاء الصغار. وهذا المعنى ظاهر للحس، فالبصر في حال ملاحظة المبصر يحس بتحقق صورته واشتباهها. فإذا أدرك البصر مسافة من المسافات التي على وجه الأرض فإنه في حال ملاحظته لآخرها ومن ملاحظته لبعض المبصرات التي في آخرها قد أحس أنها من المسافات المعتدلة المقدار أو المسافات المتفاوتة المقدار من تحققه لصورة آخرها أو لصورة مبصر من المبصرات التي عند آخرها أو من التباس الصورة واشتباهها. فإن تحقق صورة آخرها أو صورة المبصر الذي عند آخرها وجد الصورة بينة وتأمل مع ذلك المسافة و ميز مقدارها على الوجه الذي تقدم فهو يتحقق مقدار تلك المسافة. وإذا تحقق مقدار المسافة التي بهذه الصفة فالقوة المميزة تدرك أن مقدار تلك المسافة متيقن من إدراكها لظهور صورة آخرها أو صورة المبصر الذي عند آخرها. وإن لم يتحقق صورة آخرها أو صورة مبصر من المبصرات التي عند آخرها فليس يتحقق مقدار تلك المسافة، ومع ذلك فالقوة المميزة عند تأمل تلك المسافة تدرك أن تلك المسافة غير متيقنة المقدار من التباس صورة آخرها وصورة المبصر الذي عند آخرها.
فمقادير أبعاد المبصرات تتميز للبصر عند تأملها وتتحقق كيفية إدراكه لمقاديرها عند تأملها. والناظر إذا أراد أن يتحقق مقدار المبصر ويتحقق مقدار بعد المبصر فإنه يتأمل البعد ويميزه وإذا تأمل البعد وميزه تميز له البعد المتيقن من البعد الملتبس عن الوجه الذي تبين. فأبعاد المبصرات ليس منها شي يتيقن مقداره إلا الأبعاد التي تسامت أجسامًا مرتبة متصلة وتكون مع ذلك من الأبعاد المعتدلة. والتي بهذه الصفة من الأبعاد فالبصر يدرك مقاديرها على الوجه الذي بيناه وحددناه ويتيقن مقاديرها ويحس بتبينه لمقاديرها. وما سوى ذلك من أبعاد المبصرات فليس منها شيء يتحقق مقداره بحاسة البصر، وإن ما يحدس الحاس عليه حدسًا ويشبهه تشبيهًا فيشبه بعد البصر ببعد أمثاله من المبصرات المألوفة التي قد تيقن مقادير أبعادها. وإذا أحس البصر بالتباس صورة المبصر من أجل بعده كان شاكًا في مقدار بعده مع حدسه على مقداره.فالبعد المعتدل الذي يتحقق البصر مقداره هو البعد الذي ليس يخفى عند آخره جزءًا له نسبة محسوسة بالقياس إلى جميع البعد. والبعد المعتدل بالقياس إلى المبصر الذي منه يدرك البصر حقيقة مقدار المبصر هو البعد المعتدل الذي ليس يخفى عند آخره جزء من المبصر له نسبة محسوسة بالقياس إلى مقدار المبصر إذا تفقد البصر ذلك الجزء منفردًا. فكل مسافة يكون كل جزء من آخرها لطوله نسبة محسوسة إلى الجزء منفردًا. فكل مسافة يكون كل جزء من آخرها لطوله نسبة محسوسة إلى مقدار طول المسافة يدركه البصر، ولا يخفى عن البصر من أجزاء المسافة التي عند آخرها إلا ما ليس له نسبة محسوسة إلى طول تلك المسافة، فإن تلك المسافة من الأبعاد المعتدلة. والبعد الخارج عن حد الاعتدال في العظم هو الذي يخفى عند آخره مقدار له نسبة محسوسة إلى جملة ذلك البعد ولا يدركه البصر. والبعد الخارج عن الاعتدال بالقياس إلى المبصر هو البعد الذي قد يخفى منه مقدار من ذلك المبصر له نسبة محسوسة إلى جملة ذلك المبصر، أو معنى من المعاني التي في المبصر يؤثر خفاؤه في مائية ذلك المبصر.