الصفحة 120 من 245

وإذ قد تبين كيفية إدراك البصر لمقادير المبصرات وتميزت أبعاد المبصرات فإننا نميز أعظام المبصرات التي يدركها البصر ونميز إدراك البصر لها، فنقول: إن الأعظام التي يدركها البصر في حال مقابلة البصر للمبصرات هي مقادير سطوح المبصرات ومقادير نهايات المبصرات ومقادير المسافات التي بين نهايات أجزاء سطوح المبصرات ومقادير المسافات التي بين المبصرات المتفرقة. وهذه هي جميع أنواع المقادير التي يدركها البصر في حال مقابلة البصر. فأما مقدار جسم المبصر فليس يدركه البصر في حال مقابلته لأن البصر يدرك جميع سطح الجسم في حال مقابلته وإنما يدرك ما يقابله من سطح الجسم أو سطوحه، وإن صغر الجسم. وإن أدرك البصر تجسم الجسم فليس يدرك مقدار جسمه وإنما يدرك هيئة تجسمه فقط. فإن تحرك الجسم أو تحرك البصر حول الجسم حتى يدرك البصر جميع سطح الجسم بالحس أو بالاستدلال فإنما يدرك التمييز حينئذ مقدار تجسمه بقياس ثان غير القياس الذي يستعمل في حال الإبصار. وكذلك مقدار كل جزء من أجزاء الجسم إن أدرك التمييز مقدار تجسمه فإنما يدركه بقياس ثان غير القياس الذي هو حال الإبصار. فالذي يدركه البصر من المقادير في حال مقابلتها إنما هو مقادير السطوح والخطوط التي حددناها فقط.

وقد تبين أن إدراك العظم إنما هو من قياس قاعدة مخروط الشعاع الذي يحيط بالعظم بزاوية المخروط الذي عند مركز البصر وبطول المخروط الذي هو بعد العظم المبصر. وقد تبين أن أبعاد المبصرات منها ما هو متيقن ومنها ما هو مظنون غير متيقن. فالمبصرات التي أبعادها متيقنة فالبصر يدرك أعظامها من قياس أعظامها بالزوايا التي توترها تلك الأعظام عند مركز البصر وبأبعادها المتيقنة. فإدراك مقادير أعظام ما هذه صفته من المبصرات يكون إدراكًا متيقنًا. والمبصرات التي أبعادها مظنونة وغير متيقنة يدرك البصر مقادير أعظامها من قياس أعظامها بالزوايا التي توترها تلك الأعظام عند مركز البصر وبأبعادها المظنونة غير المتيقنة. فإدراك مقادير أعظام ما هذه صفته من المبصرات يكون إدراكًا غير متيقن. فإذا أراد الحاس أن يتحقق مقدار عظم مبصر من المبصرات فإنه يحرك البصر على أقطاره فيتحرك سهم الشعاع على جميع أجزاء المبصر. فإن كان بعد المبصر من الأبعاد المتفاوتة فإنه في حال تأمله يظهر للحس التباس صورته ويتبين الحاس أن مقداره غير متيقن. وإن كان بعد المبصر من الأبعاد المعتدلة فإنه في حال تأمله يظهر للحس صحة رؤيته. فإذا تحرك الشعاع على ما هذه صفته من المبصرات فإنه يمسحه مساحة فيدرك أجزاءه جزءًا جزءًا ويتحقق مقادير أجزائه، فيتحقق بالحركة مقدار الجزء من سطح العضو الحاس الذي تحصل فيه صورة ذلك المبصر ومقدار زاوية المخروط المحيط به التي يوترها ذلك الجزء. وإذا أراد أن يتحقق بعده حرك البصر على الجسم المسامت لبعده فيتحقق بالحركة مقدار الجسم المسامت لبعده الذي هو مساو في الحس لأطوال خطوط الشعاع التي هي مقدار بعده. وإذا تحقق الحاس مقدار بعد المبصر ومقدار الزاوية التي يحيط بها المخروط الذي يحيط بالمبصر تحقق مقدار ذلك المبصر.

وحركة السهم على أجزاء المبصر ليس تكون بأن ينحني السهم عن موضع المركز ويتحرك على انفراده على أجزاء المبصر، لأنه قد تبين أن هذا الخط يكون أبدًا ممتدًا على استقامة إلى موضع انحناء العصبة التي العين مركبة عليها ولا يتغير وضعه من البصر. وإنما جملة العين تتحرك في مقابلة المبصر ويقابل وسط موضع الإحساس من البصر كل جزء من أجزاء المبصر. وإذا تحرك البصر بجملته في مقابلة المبصر وقابل وسط البصر كل جزء من أجزاء المبصر، فإن السهم في هذه الحال يمر بكل أجزاء المبصر وتمتد صورة كل جزء من أجزاء المبصر إلى البصر عند حصول السم عليه على استقامة السهم، ويكون السهم مع ذلك لزمًا لوضعه وغير متنقل عن موضعه من جملة العين ويكون انحناؤه في هذه الحال عند حركة جملة البصر من موضع العصبة التي عند مقعر العظم فقط.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت