الصفحة 121 من 245

وإذا انعمل البصر لتأمل المبصر وابتدأ بالتأمل من طرف المبصر صار طرف السهم على الجزء المتطرف من المبصر فيصير في هذه الحال جمهور صورة المبصر في جزء من سطح البصر مائل عن السهم إلى جهة واحدة، ما سوى الجزء الذي عليه السهم فإن صورته تكون في وسط البصر وفي موضع السهم من البصر، وتكون بقية الصورة مائلة إلى جهة واحدة عن السهم. ثم إذا تحرك البصر من بعد هذه الحال على قطر من أقطار المبصر، انتقل إلى الجزء الذي يلي ذلك الجزء من ذلك القطر، وصارت صورة الجزء الأول مائلة إلى الجهة الأخرى المقابلة للجهة التي تحرك إليها السهم. ثم لا تزال الصورة تميل كلما تحرك السهم على ذلك القطر إلى أن ينتهي السهم إلى آخر ذلك القطر من المبصر وإلى الجزء المتطرف من المبصر المقابل للجزء الأول، فتصير صورة جملة المبصر في هذه الحال مائلة إلى الجهة المقابلة للجهة التي كانت مائلة إليها في الأول، ما سوى الجزء الأخير المتطرف فإنه يكون على السهم وفي وسط البصر.

والسهم في جميع هذه الحركة لازم لوضعه من البصر، وهذه الحركة تكون في غاية السرعة وتكون في الأكثر غير محسوسة لسرعتها، وليس ينطبق السهم في حركته على نهايات الزاوية التي يوترها المبصر عند مركز البصر ولا يقطع عرض الزاوية التي يوترها قطر من أقطار المبصر، لأن ذلك ليس يكون إلا إذا كان السهم على انفراده متحركًا وجملة العين ساكنة، وليس ذلك ممكنًا، بل جملة العين هي التي تتحرك عند التأمل والسهم يتحرك بحركتها، وإنما يدرك الحاس مقدار الزاوية التي يوترها المبصر عند مركز البصر من إدراكه لمقدار الجزء من سطح البصر الذي تتشكل فيه صورة المبصر وتخيله للزاوية التي يوترها ذلك الجزء من مركز البصر.

وحاسة البصر مطبوعة على إدراك مقادير أجزاء البصر التي تتشكل فيها الصورة ومطبوعة على تخيل الزوايا التي توترها هذه الأجزاء. وحركة البصر عند تأمل البصر إنما يتحقق بها الحاس صورة المبصر ومقدار عظم المبصر، لأنه بهذه الحركة يدرك كل جزء من أجزاء المبصر بوسطه وبموضع السهم من البصر، وبهذه الحركة تتحرك صورة المبصر على سطح البصر فيتغير الجزء من سطح البصر الذي تحصل فيه الصورة، وتصير صورة المبصر عند الحركة في جزء بعد جزء من سطح البصر. وكلما أدرك الحاس الجزء من المبصر الذي عند طرف السهم فهو يدرك مع ذلك جملة المبصر ويدرك جملة الجزء من سطح البصر الذي تحصل فيه صورة جملة المبصر، ويدرك مقدار ذلك الجزء ويدرك مقدار الزاوية التي يوترها ذلك الجزء عند مركز البصر. فيتكرر على الحاس بحركة التأمل إدراك مقدار الزاوية التي يوترها ذلك المبصر فيتحقق بهذا التكرر مقدار الزاوية ويتحقق صورة المبصر وصورة بعده، وتفهم القوة المميزة مقدار الزاوية ومقدار البعد، فيدرك من مجموعها مقدار عظم المبصر على التحقيق. فعلى هذه الصفة يكون تأمل البصر للمبصرات ويكون تحقق الحاس لمقادير أعظام المبصرات بالتأمل.

وأيضًا فإنه إذا أدرك البصر مقادير أطوال خطوط الشعاع التي بين البصر وبين نهايات المبصر أو بين نهايات أجزاء سطح المبصر، فهو يحس بتساويها واختلافها. فإن كان سطح المبصر الذي يدركه البصر أو المسافة التي يدركها البصر مائلة أحس بميلها من إحساسه باختلاف مقادير أبعاد أطرافها. وإن كان السطح أو المسافة مواجهة أحس بمواجهتها من إحساسه بتساوي أبعاد أطرافها. وإذا أحس بمسل المسافة أو مواجهتها فليس يلتبس على القوة المميزة مقدار عظمها، لأن التمييز يدرك من اختلاف بعدي طرفي المسافة المائلة ميل المخروط المحيط بها، وإذا أحس التمييز بميل المخروط أحس بفضل عظم قاعدته من أجل ميله. وإنما يلتبس مقدار عظم المائل بعظم المواجه إذا كان القياس بالزاوية فقط. فأما إذا كان القياس بالزاوية وبأطوال خطوط الشعاع التي بين البصر وبين أطراف المبصر فليس يلتبس مقدار العظم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت