وأيضًا فإن المبصر إذا كان في غاية الصغر ولم يكن مقابلًا لوسط البصر فليس يتم تأمله إلا بعد أن يتحرك البصر حتى يمر السهم بذلك المبصر وتحصل صورة ذلك المبصر في وسط البصر وتظهر ظهورًا بينًا. وأيضًا فإنه ليس يدرك جميع المعاني التي تكون في المبصر إلا بتمييز جميع المعاني التي في جميع أجزاء المبصر. وإذا كان ذلك كذلك فالتأمل الذي به تدرك حقائق صور المبصرات تكون بالبصر نفسه وتكون بالبصر والتمييز معًا. فإدراك البصر لحقيقة صورة المبصر ليس يكون إلا بالتأمل. والتأمل الذي به تتحقق صورة المبصر ليس يتم إلا بتحرك البصر. وإذا كان حجم المبصر مقتدرًا فليس يتم تأمله إلا بتحرك سهم الشعاع أو ما قرب منه من خطوط الشعاع في جميع أقطار المبصر. وإلى هذا المعنى ذهب من رأى أن الإبصار ليس يكون إلا بحركة وأنه ليس شيء من المبصرات يبصر جميعًا معًا، فإنه إنما أراد الإبصار المحقق الذي ليس يكون إلا بالتأمل وبحركة البصر وبحركة سهم الشعاع في جميع أقطار المبصر.
فأما كيف يتحقق الحاس بالتأمل والحركة صورة المبصر فالبصر إذا قابل المبصر فإنه في حال مقابلته وحصول الصورة في البصر فإن الحاس يدرك جملة الصورة إدراكًا مجملًا ويدرك الجزء الذي عند طرف السهم إدراكًا بينًا على غاية ما يصح أن يدرك ذلك الجزء، ويدرك مع ذلك في هذه الحال كل جزء من الأجزاء الباقية التي في الصورة إدراكًا ما. ثم إذا تحرك البصر وانتقل السهم من الجزء الذي كان عليه إلى جزء آخر أدرك الحاس في هذه الحال صورة جملة المبصر إدراكًا ثانيًا وأدرك الجزء الذي عند طرف السهم إدراكًا ثانيًا أيضًا ومع ذلك يكون إدراكه لهذا الجزء الذي عند طرف السهم في الحال الثانية أبين من إدراكه في الحال الأولى. وفي هذه الحال فإن الحاس يدرك أيضًا الأجزاء الباقية إدراكًا ما. وكذلك إذا انتقل السهم بالحركة إلى جزء ثالث فإن الحاس يدرك في الحال الثالثة جملة المبصر إدراكًا ثالثًا، ويدرك الجزء الذي عند طرف السهم إدراكًا ثالثًا أيضًا، ويكون إدراكه لهذا الجزء في هذه الحال أبين من إدراكه في الحالتين الأوليين، ومع ذلك فإن الحاس في هذه الحال يدرك أيضًا كل جزء من الأجزاء الباقية إدراكًا ما. فبحركة البصر على أجزاء المبصر تحصل للحاس حالتان: إحداهما تكرر جملة المبصر ولك جزء من أجزاء المبصر، والحال الثانية أنه يدرك كل جزء من أجزاء المبصر بسهم الشعاع وما قرب من السهم على أبين ما يمكن أن يدركه، فيظهر للحس بهذا التبيين جميع ما يصح أن يظهر من تلك الأجزاء. وإذا تكرر إدراك الحس لجملة المبصر ولكل جزء من أجزاء المبصر، وظهر جميع ما يصح أن يظهر لهمن ذلك المبصر، أدرك بهذه الحال جميع ما يصح أن يدركه من ذلك المبصر ومع ذلك إدراكًا مكررًا.
وفي تضاعيف هذه الجملة وهذا التكرر فالقوة المميزة تميز جميع ما يظهر من ألوان الأجزاء وأعظامها وأبعادها وأشكالها وأوضاعها وتساوي ما يتساوى منها في هذه المعاني واختلاف ما يختلف منها في جميع هذه المعاني أو في بعضها ومن ترتيب الأجزاء بعضها عند بعض، وتدرك من تمييز جميع هذه المعاني ومن قياس هذه المعاني بما تعرفه من أمثالها الهيئة المتألفة من جميع ذلك لجملة المبصر، فيتحرر بالتكرر والتبيين والتمييز جميع المعاني التي في المبصر ويتشكل في التخيل الهيئة التي تتألف من جميع تلك المعاني لجملة المبصر. وإذا تحررت جميع المعاني التي في المبصر وتشكلت في التخيل الهيئة التي تتألف من جميع تلك المعاني لجملة المبصر تحققت صورة المبصر التي بها يتخصص ذلك المبصر عند الحاس. فعلى هذه الصفة يتحقق الحاس بالتأمل صور المبصرات.