وأيضًا فإننا نقول إن البصر إذا أدرك مبصرًا من المبصرات وتحققت صورته عند الحاس فإن صورة ذلك المبصر تبقى في النفس وتكون متشكلة في التخيل، وإذا تكرر إدراك البصر للمبصر كانت صورته أثبت في النفس من صورة المبصر الذي لم يدركه البصر إلا مرة واحدة أو لم يكثر إدراك البصر له، وإن البصر إذا أدرك شخصًا من الأشخاص ثم أدرك أشخاصًا أخر من نوع ذلك الشخص وتكرر إدراكه لأشخاص ذلك النوع واستمر ذلك دائمًا وتقررت صورة ذلك النوع في النفس وحصلت في النفس صورة كلية متشكلة في التخيل لذلك النوع. والذي يدل على أن صور المبصرات تبقى في النفس وفي التخيل هو أن الإنسان إذا تذكر إنسانًا يعرفه وقد شاهده من قبل ذلك واجتمع معه وتحقق صورته وكان ذاكرًا للوقت الذي شاهد فيه ذلك الإنسان والموضع الذي اجتمع معه فيه ذكرًا صحيحًا، فإنه يتخيل في الحال شخص ذلك الإنسان وتخطيط وجهه وهيئته ونصبته التي كان عليها في ذلك الوقت، ويتخيل الموضع الذي شاهده فيه، وربما تخيل في الحال مبصرات أخر قد كانت حاضرة في الموضع الذي شاهد فيه ذلك الإنسان. فتخيله صورة ذلك الإنسان عند تذكره وصورة الموضع الذي شاهده فيه والحال التي كان عليها مع غيبة ذلك الإنسان وغيبة ذلك الموضع دليل ظاهر على أن صورة ذلك الإنسان وصورة ذلك الموضع حاصلة في نفسه وباقية في تخيله. وكذلك إذا تذكر الإنسان بلدًا قد شاهده ثم غاب عنه، فإنه يتخيل صورة ذلك البلد وصورة المواضع التي كان فيها من ذلك البلد وصور الأشخاص الذي عرفهم في ذلك البلد، إذا كان ذاكرًا لجميع ذلك مع غيبة ذلك البلد وغيبة ما شاهده فيه. وكذلك ما شاهده الإنسان من المبصرات إذا تذكرها وكان ذاكرًا لمشاهدته لها ذكرًا صحيحًا فإنه يتخيل صورها على ما شاهدها عليه في وقت مشاهدتها. فتخيل الإنسان لصور المبصرات التي قد شاهدها من قبل وهي غائبة عنه في حال تذكرها دليل ظاهر على أن صور المبصرات التي قد أدركها البصر تحصل في النفس وتتشكل في التخيل.
فأما أن صورة المبصر الذي يتكرر إدراك البصر له تكون أثبت في النفس وفي التخيل من صورة المبصر الذي لم يتكرر إدراك البصر له فإن ذلك لأن النفس إذا ورد عليها معنى من المعاني حصلت صورة ذلك المعنى في النفس. فإذا تمادى الزمان على ذلك المعنى ولم يعد مرة ثانية على النفس ربما أنسيت النفس ذلك المعنى أو أنسيت بعض المعاني التي فيه. فإذا عاد ذلك المعنى على النفس قبل نسيانه وقبل نسيان المعاني التي فيه أو جمهورها تجددت صورة ذلك المعنى في النفس، فذكرت النفس بالصورة الثانية الصورة الأولى وقرب عهد النفس بذلك المعنى من الصورة الثانية. فإذا تكرر ورود المعنى على النفس مرات كثيرة كانت النفس لذلك المعنى أذكر وبه آنس وكان ذلك المعنى أثبت في النفس.
وأيضًا فإنه في أول مرة يرد المعنى على النفس أو ترد صورة المبصر على النفس ربما لم تدرك النفس جميع المعاني التي في تلك الصورة ولم تتحققها وأدركت بعض المعاني التي فيها، فإذا عادت الصورة مرة ثانية أدركت النفس منها ما لم تكن أدركته في المرة الأولى. وكلما تكررت الصورة على النفس ظهر منها ما لم يكن ظهر إذا لم يكن ظهر فيها جميع المعاني التي فيها في أول مرة. وإذا أدركت النفس من الصورة دقائق معانيها وجميع ما فيها وتحققت صورتها كانت أبين في النفس وأثبت في التخيل من الصورة التي لم تدرك النفس جميع المعاني التي فيها في أول مرة ثم تكرر ورود الصورة عليها، ولم تدرك فيها بعد المرة الأولى معنى زائدًا، تحققت أن الذي أدركته في أول مرة هو حقيقة صورتها. والصورة المتحققة المتيقنة تكون أثبت في النفس وفي التخيل من الصورة الغير محققة، فصورة المبصر إذا تكرر إدراك البصر لها تحققت صورتها عند النفس وفي التخيل، وتكون النفس بكثرة تكرر الصورة أذكر للصورة وآنس بها، وبتحقق الصورة وذكر النفس لها يكون ثبوت الصورة في النفس وفي التخيل. فلذلك تكون الصورة المتكررة على البصر أثبت في النفس وفي التخيل من الصورة التي لم يكثر إدراك البصر لها.