والذي يدل دليلًا واضحًا على أن المعاني والصور إذا تكررت على النفس كانت أثبت في النفس من المعاني والصور التي لم تتكرر على النفس هو أن الإنسان إذا أراد أن يحفظ علمًا من العلوم أو أدبًا من الآداب أو خبرًا أو ما يجري مجرى ذلك، فإنه يكرر قراءة هذا المعنى مرات كثيرة، فإذا كرر قراءته ثبت في نفسه، وكلما كرره أكثر كان أشد ثبوتًا وأبعد نسيانًا، وإذا قرأه مرة واحدة لم يثبت في نفسه، وإن قرأه مرات قليلة أيضًا لم يثبت في نفسه وإن ثبت نسيه سريعًا، وإذا نسي الإنسان شيئًا كان قد حفظه فإنه إذا عاود درسه وكرره مرات كثيرة عاد حفظه لذلك المعنى وثبت في نفسه. فمن الاعتبار بهذا المعنى يتبين بيانًا واضحًا أن الصور التي ترد على النفس كلما تكررت كانت أثبت في النفس وفي التخيل من الصور التي لم يتكرر ورودها على النفس.
فأما الصور الكلية التي تحصل في النفس لأنواع المبصرات وتكون متشكلة في التخيل فإن لكل نوع من أنواع المبصرات هيئة وشكلًا يتساوى فيها جميع أشخاص ذلك النوع، وتختلف تلك الأشخاص بمعان جزئية مما يدرك بحاسة البصر أيضًا. وربما كان اللون في جميع أشخاص النوع واحدًا. والهيئة والشكل واللون وجميع المعاني التي تتقوم منها هيئة كل شخص من أشخاص النوع. والبصر يدرك تلك الهيئة وذلك الشكل ويدرك كل معنى تتساوى فيه أشخاص النوع من جميع الأشخاص التي يدركها من أشخاص ذلك النوع، ويدرك أيضًا المعاني الجزئية التي تختلف بها تلك الأشخاص مع اتفاقها في المعاني الكلية. فبتكرر إدراك البصر لأشخاص النوع الواحد تتكرر عليه الصورة الكلية التي في ذلك النوع مع اختلاف الصور الجزئية التي لتلك الأشخاص. وإذا تكررت الصورة الكلية على النفس ثبتت في النفس واستقرت. ومن اختلاف الصور الجزئية التي ترد مع الصور الكلية عند تكررها تدرك النفس أن الصورة التي تتساوى فيها جميع أشخاص ذلك النوع هي صورة كلية لذلك النوع. فعلى هذه الصفة يكون حصول الصور الكلية التي يدركها البصر من أنواع المبصرات في النفس وفي التخيل.
فصور أشخاص المبصرات وصور أنواع المبصرات التي قد أدركها البصر تبقى في النفس وتثبت في التخيل، وكلما تكرر إدراك البصر لها كانت صورته أثبت في النفس وفي التخيل، ومن الصور الحاصلة في النفس لأنواع المبصرات وأشخاصها تكون معرفة الحاس بالمبصرات . ومعول الحاس واعتماده في إدراك مائيات المبصرات إنما هو على الصور الحاصلة في النفس، لأن إدراك مائيات المبصرات ليس يكون إلا المعرفة، والمعرفة إنما هي من قياس الصورة التي يدركها البصر في الحال بالصورة الثابتة في التخيل من صور المبصرات التي أدركها البصر من قبل ومن إدراك تشبه الصورة المدركة في الحال بإحدى الصور الحاصلة في التخيل. فإدراك مائية المبصر إنما هو إدراك تشبه صورة المبصر بصورة من الصور المستقرة في النفس الثابتة في التخيل لأنواع المبصرات. فمعول الحاس من إدراك مائيات المبصرات إنما هو على الصور الكلية الحاصلة في النفس لأنواع المبصرات ومعوله في معرفة أشخاص المبصرات إنما هو على صور الأشخاص الحاصلة في النفس لكل واحد من الأشخاص التي قد أدركها البصر من قبل وتخيل صورها. والقوة المميزة مطبوعة على تشبيه صور المبصرات في حال الإبصار بالصورة الثابتة في التخيل التي قد اقتنتها النفس من صور المبصرات فإن القوة المميزة تطلب شبهه في الصور الحاصلة في التخيل. فإذا وجدت في التخيل صورة تشبه صورة ذلك المبصر عرفت ذلك المبصر وأدركت مائيته، وإن لم تجد في الصور الحاصلة في التخيل صورة تشبه صورة ذلك المبصر فليس تعرف ذلك المبصر ولا تدرك مائيته. ولسرعة تشبيه القوة المميزة لصورة المبصر في حال الإبصار ربما عرض لها الغلط فتشبه المبصر بغيره من المبصرات إذا كان في المبصر معنى من المعاني هو في ذلك الغير. ثم تأملت ذلك المبصر من بعد هذه الحال وتحققت صورته شبهته بصورته الشبيهة به في الحقيقة، ويتبين لها في الحال الثانية أنها كانت غالطة في التشبيه الأول. فعلى هذه الصفات تدرك مائيات المبصرات بحاسة البصر.