والمبصرات التي تقدم إدراك البصر لها وهو عارف بصورها وذاكر لها قد يدركها البصر بالأمارات، وليس كذلك المبصرات الغريبة التي لم يرها البصر من قبل والمبصرات التي قد شاهدها البصر وأنسي مشاهدتها. فإن البصر إذا أدرك مبصرًا لم يره من قبل ذلك الوقت، لأنه ليس عنده لبقية أجزائه، فليس يدرك من ذلك البعض مائية ذلك المبصر، لأنه ليس عنده لبقية أجزائه صورة مستقرة، فليس يدرك البصر حقيقة المبصر الذي لم يره من قبل إلا باستقراء جميع أجزائه وجميع المعاني التي فيه. وكذلك المبصر الذي شاهده البصر من قبل وليس هو ذاكرًا لمشاهدته ليس يتحقق صورته إلا بعد أن يتأمل جميع المعاني التي فيه. وإدراك بعض المعاني التي في الصورة تكون في زمان أقصر من الزمان الذي تدرك فيه جميع المعاني التي في الصورة. والإبصار الذي يكون بالتأمل مع تقدم المعرفة قد يكون في أكثر الأحوال في زمان أقصر من الزمان الذي يكون فيه الإبصار بمجرد التأمل، ولهذه العلة صار البصر يدرك المبصرات المألوفة إدراكًا في غاية السرعة وفي زمان خفي عن الحس ولا يكون بين مقابلة البصر للمبصر وبين إدراكه لمائية المبصر المألوف زمان محسوس في أكثر الأحوال. وذلك أن الإنسان منذ الطفولية ومنذ مبدأ النشوء يدرك المبصرات وتتكرر عليه أشخاص المبصرات وتتكرر عليه الصور الكلية التي لأنواع المبصرات. وقد تبين أن صور المبصرات التي يدركها البصر تحصل في النفس وتتشكل في التخيل ، وأن الصور التي تتكرر على ابصر تثبت في النفس ويستقر تشكلها في التخيل. فجميع المبصرات المألوفة جميع الأنواع المألوفة وجميع المعاني المشهورة قد حصلت صورها مستقرة في النفس ومتشكلة في التخيل وحاضرة للذكر. فإذا أدرك البصر مبصرًا من المبصرات المألوفة وأدرك جملة صورته وأدرك من بعد الجملة أمارة تخص ذلك المبصر في حال إدراكه لتلك الأمارة، ويكون إدراكه المبصر بتقدم المعرفة وباليسير من التأمل لاستئناف تأمل جميع المعاني التي فيه في حال إدراكه الذي عرفه فيه. والمبصرات المألوفة يدركها البصر ويدرك مائياتها بالأمارات وبتقدم المعرفة، فيكون إدراكه لمائياتها في أكثر الأحوال في زمان غير محسوس، لأنه يكون باليسير من التأمل ومن إدراكه بعض المعاني التي فيها بالتأمل.
وأيضًا فإن إدراك البصر لنوعية المبصر يكون في زمان أقصر من الزمان الذي يدرك فيه شخصية المبصر. وذلك أن المبصر إذا أدرك شخصًا من أشخاص الناس فإنه يدرك إنسانًا قبل أن يدرك صورته الجزئية التي تخص شخصه. وقد يدرك أنه إنسان وإن لم يدرك تخطيط وجهه بل من انتصاب قامته وترتيب أعضائه قد أدرك أنه إنسان وإن لم يميز وجهه. وكذلك أنواع المبصرات المألوفة يدرك البصر نوعية الشخص منها ببعض الأمارات التي تخص ذلك النوع. وليس كذلك إدراك شخصية المبصر، فإن شخصية المبصر ليس تدرك إلا من إدراك المعاني الجزئية التي تخص شخص المبصر ومن إدراك بعضها. وإدراك المعاني الجزئية التي تخص الشخص ليس تدرك إلا من بعد إدراك المعاني الكلية التي في ذلك الشخص أو إدراك بعضها. وبالجملة فإن المعاني التي في الصورة الكلية التي لنوع الشخص هي بعض المعاني التي في صورته الشخصية. وإدراك البعض يكون في زمان أقل من الزمان الذي يدرك فيه الكل، فإدراك البصر لنوعية المبصر يكون في زمان أقصر من الزمان الذي يدرك فيه شخصية ذلك المبصر.