الصفحة 142 من 245

وأيضًا فإن المبصرات المألوفة تختلف أزمان إدراك نوعياتها، لأن أنواع المبصرات المألوفة منها ما يشتبه بغيرها من الأنواع ومنها ما ليس يشتبه بغيره. كنوع الإنسان ونوع الفرس: فإن الإنسان ليس تشتبه صورة نوعه بنوع غيره من الحيوان، وليس كذلك الفرس، لأن الفرس يشبهه كثير من الدواب في جملة هيئته. وليس الزمان الذي يدرك فيه البصر من شخص الإنسان نوعيته ويدرك أنه إنسان كالزمان الذي يدرك فيه من شخص الفرس ونوعيته ويدرك أنه فرس، وخاصة إذا كان إدراكه لكل واحد من هذين من بعد مقتدر، لأن البصر إذا أدرك شخص الإنسان متحركًا فإنه في الحال من انتصاب قامته مع حركته قد أدرك أنه إنسان، فمن الحركة يدرك أنه حيوان ومن انتصاب القامة يدرك أنه إنسان. وليس كذلك إذا أدرك شخص الفرس فإن البصر إذا أدرك شخص الفرس وأدركه متحركًا، وأدرك مع جملة ذلك هيئته وعدد قوائمه، فليس يدرك من جميع ذلك أنه فرس، لأن هذه المعاني هي في كثير من ذوات الأربع وهي تساوي الفرس في هذه المعاني وغيرها، وخاصة البغل فإنه يشبه الفرس في أكثر أحواله، وإنما يتميز الفرس عن البغل بمعاني ليست بكل الظاهرة كتخطيط وجهه وامتداد عنقه وسرعة حركته وسعة خطوه. فإن لم يدرك البصر واحدًا من هذه المعاني التي يتميز بها الفرس مع إدراكه لجملة هيئته فليس يدرك أنه فرس. وليس الزمان الذي يدرك البصر فيه انتصاب قامة الإنسان كالزمان الذي يدرك فيه هيئة الفرس مع المعاني الجزئية التي يتميز بها الفرس عن غيره. وإدراك البصر لنوعية الإنسان يكون في زمان أقصر من الزمان الذي يدرك فيه نوعية الفرس، وإن كان الزمانان قصيرين وأحدهما على تصاريف الأحوال يزيد على الآخر.

وكذلك إذا أدرك البصر توريد الورد في بعض البساتين فإنه يدرك في الحال أن ذلك المبصر هو الورد للون الذي يخص الورد مع كونه في البستان، من قبل إدراكه لاستدارة أوراقه وتراصف الأوراق بعضها على بعض، وقبل إدراك جميع المعاني التي تتقوم منها صورة الورد. وإن كان يشبه الورد غيره من الأنوار فإنه يدرك على كل حال أنه نور، لا من ورق الشجر والنبات. وليس كذلك إذا أدرك البصر خضرة الريحان في البستان، فإن البصر إذا أدرك من الريحان خضرته فقط مع كونه في البستان فليس يدرك من إدراك الخضرة فقط أنه ريحان، لأن أكثر النبات أخضر، ومع ذلك فإن كثيرًا من النبات يشبه الريحان في الخضرة والشكل، كالنمام وأمثاله من النبات. فإن لم يدرك من الريحان شكل أوراقه وتكاثفها والمعنى الذي يتخصص به الريحان فليس يدرك أنه ريحان. وليس الزمان الذي يدرك فيه البصر أشكال أوراق الريحان والمعاني التي يتخصص بها الريحان، مع إدراك خضرته، كالزمان الذي يدرك فيه من الورد توريده فقط. وكذلك جميع الأنواع المشتبهة، ليس يدرك البصر مائيتها إلا بفضل تأمل، والمبصرات القليلة الشبه يدرك البصر مائيتها باليسير من التأمل. وكذلك الأشخاص، فإن الشخص الذي يعرفه البصر ولا يشبهه غيره من الأشخاص التي يعرفه البصر ويشبهه غيره من الأشخاص التي يعرفها البصر يكون إدراك البصر له بفضل تأمل.

فجميع المبصرات المألوفة يدرك البصر نوعياتها وشخصياتها باليسير من التأمل مع تقدم المعرفة، ويكون إدراكها في أكثر الأحوال في زمان غير محسوس، وتختلف مع ذلك أزمان إدراكها بحسب اختلاف أنواعها واختلاف أشخاصها، ويكون إدراك نوعية الشخص أسرع من إدراك شخصيته، ويكون إدراك نوعية ما يقل شبهه من الأنواع أسرع من إدراك نوعية ما يكثر شبهه، ويكون إدراك شخصية الشخص القليل الشبه أسرع من إدراك شخصية الشخص الكثير الشبه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت