الصفحة 178 من 245

فأما غلط البصر في المعرفة من أجل خروج الضوء الذي في المبصر عن عرض الاعتدال فكالشخص الذي يدركه البصر في الغلس أو في موضع مغدر ولا يتحقق صورته. فإن كان إنسانًا وكان الناظر قد ألف في ذلك الموضع إنسانًا بعينه فربما ظن بذلك الشخص الذي رآه في ذلك الموضع انه ذلك الإنسان بعينه الذي يعرفه في ذلك الموضع ولا يكون ذلك الإنسان. وربما شبه الشخص من صورته نفسها من إنسان يعرفه، ولا يكون ذلك الإنسان، إذا لم يتحقق صورته في الحال من أجل ضعف الضوء. وكذلك إذا رأى في موضع مغدر حيوانًا غير الإنسان كفرس أو حمار أو غير ذلك من الحيوانات المألوفة فربما شبهه بنظير له قد كان يعهده في ذلك الموضع ولا يكون ذلك الذي شبهه به. وربما شبهه من نفس صورته بغيره ولا يكون ذلك الغير الذي شبهه به. وربما شبه الحيوان الذي يدركه في الموضع المغدر بغيره من الحيوانات التي ليست من نوعه قريبًا من نوعه. وهذا النوع من الغلط يعرض للبصر كثيرًا إذا رأى المبصر في الغلس أو في سواد الليل ولم يكن في الموضع ضوء قوي. وهذا الغلط هو غلط في المعرفة، لأن البصر إذا أدرك المبصر على هذه الصفة وشبهه بنظير له من الأشخاص التي يعرفها إما بالشخص وإما بالنوع وظنه ذلك الذي يعرفه فإنه يكون غلطه في شخصية المبصر أو في نوعيته الذي هو غلط في المعرفة. وعلة هذا الغلط هو خروج الضوء الذي في المبصر عن عرض الاعتدال، لأن الشخص الذي يدركه البصر في الموضع المغدر ولا يتحقق صورته إذا أدركه في ضوء قوي لم يعرض له الغلط في معرفته، إذا كانت المعاني الباقية التي في ذلك المبصر التي بها يتم إدراك المبصر على ما هو عليه في عرض الاعتدال.

وأيضًا فإن الحيوان الذي يسمى اليراع الذي يطير في الليل فيظهر في سواد الليل كأنه نار تخطف إذا أدركه البصر في ضوء النهار لم ير فيه شيئًا من النار التي تظهر في الليل. وكذلك الأصداف والأغشية التي تكون لبعض الحيوانات البحرية التي تظهر في الظلام كأنها نار إذا أدركها البصر في ضوء النهار وأدرك تلك الأصداف وتلك الأغشية لم ير فيها شيئًا من النارية. وهذا الفراش يشبه الفراش الذي يطير في الليل حول السراج. فإذا أدرك البصر الفراش الذي بهذه الصفة فإنه ربما شبهه بالفراش الذي يطير حول السراج وليس هو ذلك الفراش. وكذلك الأصداف إذا أدركها في ضوء النهار فإنه يشبهها بالأصداف التي تشبهها التي ليست بنيرة.

وإذا أدرك البصر الجسم النير غير نير وشبهه بغيره من المبصرات الغير نيرة فهو غالط في مائيته. والغلط في مائية المبصر هو غلط في المعرفة. وعلة هذا الغلط هو خروج الضوء الذي في هذه المبصرات عن عرض الاعتدال إذا أدركت بالنهار بالإفراط في الضوء بالقياس إلى هذه المبصرات. لأن هذه المبصرات إذا كانت في الظلام وفي سواد الليل وفي المواضع التي ليس فيها من الضوء إلا ما يظهر على وجه الأرض من الضوء اليسير في الليل فإن البصر يدركها نيرة كأنها نار. والضوء المعتدل الذي به تدرك هذه المبصرات هو الضوء الذي فيها فقط. وإن زاد عليه ضوء آخر فاليسير الذي لا يؤثر في ضوئها كمثل الضوء الذي يكون في الليل على وجه الأرض، فإن زاد الضوء على ذلك زيادة بينة خرج الضوء الذي يحصل في هذه المبصرات عن عرض الاعتدال الذي به تدرك ناريتها على ما هي عليه، ولم يظهر ضوؤها الذاتي لإفراط الضوء الذي يشرق عليها. فعلى هذه الصفات التي شرحناها وأمثالها يكون غلط البصر في المعرفة من أجل خروج الضوء الذي في المبصر عن عرض الاعتدال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت