فأما غلط البصر في المعرفة من أجل خروج حجم المبصر عن عرض الاعتدال فكالمبصرات التي تكون في غاية الصغر إذا كان فيها معان لطيفة وأجزاء متميزة وتخطيط في غاية الدقة، وكان البصر لا يدرك المعاني اللطيفة وتلك الأجزاء المتميزة وذلك التخطيط لصغر ذلك ولطافته، أو يدرك بعضها ولا يدرك البعض، ولا يدرك هيآتها، وكان مع ذلك يدرك جملة المبصر مع صغره لأنه أنفس من كل واحد من أجزائه. فإن البصر إذا أدرك المبصرات التي بهذه الصفة ربما لم يتحقق صورها فيعرض له الغلط في مائياتها. وذلك أن البصر إذا أدرك حيوانًا في غاية الصغر فربما ظنه غيره من الحيوانات التي تشبهه. ومثال ذلك إذا رأى البصر نملة على حائط أو على بعض الثمار أو على بعض الحبوب فربما ظنها سوسة، أو رأى سوسة على حائط فربما ظنها نملة، أو رأى برغوثًا فربما ظنه سوسة وربما ظنه نملة إذا لم يثب البرغوث في الحال وظل ساكنًا، أو رأى بعوضة سوداء فربما ظنها نملة إذا كانت ساقطة ولم تكن طائرة. وكذلك إذا رأى البصر حبًا من الحبوب الصغار كالخردل والرشاد وما يجري مجراها فربما ظن النوع من هذه الأنواع نوعًا من أنواع الحبوب التي تشبهه. وأمثال هذه المبصرات كثير كثيرًا ما يقع للبصر الغلط في إدراكها.
وإذا أدرك البصر حيوانًا وظنه حيوانًا غيره، أو حبًا من الحبوب وظنه غيره من الحبوب، فهو غالط في إدراكه، وغلطه في هذا المعنى إنما هو غلط في المعرفة، لأن الغلط في نوعية المبصر إنما هو غلط في المعرفة. وعلة هذا الجنس من الغلط إنما هو خروج حجم المبصر عن حد الاعتدال، لأن الحيوان إذا كان مقتدر الحجم فليس يغلط البصر في مائيته إذا كانت جميع المعاني الباقية التي في ذلك المبصر التي بها يتم إدراك المبصر على ما هو عليه في عرض الاعتدال. وكذلك أنواع جميع المبصرات ليس يعرض للبصر في مائياتها إذا ما كانت مقتدرة الحجم وكانت المعاني الباقية التي فيها التي بها يتم إدراك المبصرات على ما هي عليه في عرض الاعتدال. فعلى هذه الصفات وأمثالها يكون غلط البصر في المعرفة من أجل خروج حجم المبصر عن عرض الاعتدال.
فأما غلط البصر في المعرفة من اجل خروج كثافة المبصر عن عرض الاعتدال فكالمبصر المشف إذا كان شديد الشفيف، وكان لونه مع ذلك لونًا رقيقًا صافيًا، وكان وراءه جسم متلون بلون قوي مشرق غير ذلك اللون الذي في الجسم المشف ومن غير نوعه، وكان ذلك الجسم مماسًا للجسم المشف. فإن البصر إذا أدرك المبصر المشف الذي بهذه الصفة فإنه يدرك اللون الذي يظهر من ورائه، ويظن أن ذلك اللون هو لون الجسم المشف، إذا لم يكن قد تقدم علمه بلون ذلك الجسم.
وإذا أدرك البصر المبصر متلونًا بلون من الألوان وكان لونه غير ذلك اللون فهو غالط في مائية لونه، ومائية اللون إنما تدرك بالمعرفة، فيكون غلط البصر فيما هذه حاله غلطًا في المعرفة، وتكون علة هذا الغلط هو خروج كثافة المبصر عن عرض الاعتدال. لأن المبصر إذا كان كثيفًا، أو كانت فيه كثافة قوية مع شفيف يسير، فإن المبصر ليس يغلط في مائية لونه إذا كانت جميع المعاني الباقية التي بها يتم إدراك المبصر على ما هو عليه في عرض الاعتدال. فعلى هذه الصفة وأمثالها يكون غلط البصر في المعرفة من أجل خروج الكثافة التي في المبصر عن عرض الاعتدال.