فأما التجسم فإن البصر يحس به من إحساسه بانعطاف السطوح كما تبين من قبل. والإحساس بانعطاف سطوح الجسام هو إحساس بمائية سطح الجسم، فالغلط في التجسم إن عرض فهو إنما يكون من اجل الغلط في هيئة سطح الجسم. لأن الغلط في التجسم إنما يكون إذا أدرك البصر المبصر المسطح محدبًا، وإذا أدرك البصر المسطح محدبًا أو أدرك المحدب مسطحًا فإنما هو غالط في هيئة سطح ذلك المبصر. وهيئة السطح إنما هو شكل جملة السطح، لأن شكل السطح يكون على جهتين: فإحداهما شكل محيط السطح والأخرى شكل جملة السطح الذي يسمى هيئة السطح. وإذا كان ذلك كذلك فالغلط في التجسم يدخل تحت الغلط في الشكل مع الغلط في الوضع من أجل تفاوت البعد، فقد يعرض الغلط في شكل المبصر أيضًا من أجل تفاوت البعد وإن لم يعرض الغلط في وضعه. وذلك أن الجسم الكثير الأضلاع المتساوي الأقطار إذا كان على بعد متفاوت وكان مواجهًا للبصر فإن البصر يدركه مستديرًا، وإذا أدرك الجسم المضلع مستديرًا فهو غالط في شكله، والغلط في الشكل والهيئة إذا كان على بعد متفاوت فهو غلط في القياس . لأن الشكل والهيئة إذا كانا على بعد معتدل وكان من الأشكال المألوفة فقد يدركه البصر بالمعرفة، واصل إدراكه بالقياس. وإذا كان على بعد متفاوت فليس يدرك إلا بالقياس في حال الإحساس كان ذلك الشكل من الأشكال المألوفة أو من الأشكال الغريبة، لأن شكل المبصر من البعد المتفاوت ليس يدرك إلا بالتأمل في حال إدراك المبصر، وليس يدرك الشكل من البعد المتفاوت بالبديهة ولا بالأمارات، فالغلط في الشكل من البعد المتفاوت ليس يكون إلا غلطًا في القياس. وعلة هذا الغلط هو خروج بعد المبصر عن عرض الاعتدال. لأن المبصر المضلع إذا كان على بعد معتدل فإن البصر يدرك شكله على ما هو عليه، إذا كانت المعاني الباقية التي فيه في عرض الاعتدال.
فأما لم يدرك المضلع مستديرًا من البعد المتفاوت فذلك لأن المبصر إذا بعد عن البصر بعدًا شديدًا خفي عن البصر، والبعد الذي يخفى منه المبصر يكون بحسب مقدار البصر، فالمبصر الصغير الحجم يخفى من بعد أصغر من البعد الذي يخفى منه المبصر العظيم الحجم. وكل واحد من أجزاء المبصر أصغر من جملة المبصر. فإذا تباعد المبصر تباعدًا متفاوتًا كان المقدار الذي له نسبة محسوسة إلى جملة المبصر يخفى عن البصر من ذلك البعد، فيكون كل واحد من أجزائه الصغار على انفراده خفيًا عن البصر. وإذا كان ذلك كذلك كان المبصر إذا كان على بعد متفاوت فإن البصر يدرك جملته ولا يدرك كل واحد من أجزائه الصغار على انفراده. وكل واحدة من زوايا المبصر المضلع أصغر من جملته، وهي مع ذلك متفرقة. فكل واحدة من الزوايا تخفى عن البصر من بعد قد يظهر منه جملة المبصر. فإذا كان المبصر متفاوت البعد، وكان بعده بعدًا يخفى من مثله كل واحدة من زواياه على انفرادها، ولا تخفى جملته من ذلك البعد، وكانت أقطار ذلك المبصر مع هذه الحال متساوية أو قريبة من التساوي، فإن المبصر إذا كان على هذا البعد فإن جملته تظهر للبصر ولا يظهر شيء من زواياه. وإذا أدرك مواجهًا للبصر، أدركه البصر مستديرًا مسطحًا كان أو مجسمًا. فلهذه العلة صار البصر يدرك المبصر المضلع المتساوي الأقطار من البعد المتفاوت مستديرًا إذا كان مواجهًا للبصر.