فأما كيف يكون غلط البصر في القياس من أجل خروج الضوء الذي في المبصر عن عرض الاعتدال فكالمبصر الذي يدرك سواد الليل فارسين أو راجلين أو بهيمتين مجتازتين على مسافتين معترضتين للبصر، ويكون أحدهما متأخرًا عن الآخر، ويكون بعدهما عن البصر بعدًا مقتدرًا ومن اعاد المعتدلة، ويكون أحدهما أقرب إلى البصر من الآخر ولا يكون الاختلاف الذي بين بعديهما متفاوتًا، فإن البصر إذا أدرك شخصين على هذه الصفة في سواد الليل فإنه يدرك التفرق الذي بينهما بحسب ما يقتضيه تأخر أحدهما عن الآخر، ويدركهما كأنهما متحركان على مسافة واحدة معترضة، ولا يدرك الاختلاف الذي بين بعديهما إذا لم يكن أقربهما شديد القرب من البصر. فلذلك لأن البصر إنما يدرك اختلاف أبعاد المبصرات إذا أدرك مقادير أبعاد تلك المبصرات وأدرك زيادة بعضها على بعض، وإذا كان أحد البعدين يشبه الأخر. ومقادير أبعاد المبصرات إنما يدركها البصر إذا كانت أبعادها تسامت أجسامًا مرتبة متصلة وكان البصر يدرك تلك الأجسام ويدرك مقاديرها. وإذا أدرك البصر المبصرين اللذين بهذه الصفة في سواد الليل فليس يدرك سطح الأرض المتوسط بينه وبينهما إدراكًا صحيحًا ولا يتحقق مقداره من أجل ظلمة الليل. وإذا لم يدرك سطح الأرض في تلك الحال إدراكًا صحيحًا، ولم يتحقق مقدار المسافة التي بينه وبين ذينك المبصرين، فليس يدرك زيادة بعد أحدهما على الآخر ولا يدرك اختلاف بعديهما. وإذا لم يدرك اختلاف بعديهما فإنه يظنهما متحركين على مسافة واحدة معترضة وإن بعديهما عنه متساويان وليس بين بعديهما اختلاف يعتد به ولا يفرق بين بعد أبعدهما وبين بعد أقربهما.
وإذا أدرك البصر الشخصين المختلفي البعد كأنهما متساويا البعد فهو غالط في بعد كل واحد منهما أو في بعد أحدهما وغالط في تساوي بعديهما. والغلط في البعد وفي تساوي البعدين هو غلط في القياس لأن البعد وتساوي الأبعاد إنما يدرك بالقياس. وعلة هذا الغلط هو خروج الضوء الذي في المبصر عن عرض الاعتدال بالنقصان المفرط. لأن وجه الأرض في الليل مظلم وفيه مع ذلك ضوء يسير إذا كان منكشفًا للسماء، وليس هو مظلمًا بالكلية، لأن المواضع المظلمة بالكلية هي المواضع المحتجبة عن السماء كدواخل البيوت ودواخل المغائر، فأما المواضع المنكشفة للسماء فإن فيها ضوءًا يسيرًا وه وضوء السماء و الكواكب. فإذا أدرك البصر الشخصين اللذين وصفناهما في سواد الليل فهو يدركهما ولا يدرك الاختلاف الذي بين بعديهما، لأنه لا يدرك مقدار سطح الأرض المتوسطة بينه وبينهما ولا يتحقق مقداره للإفراط في نقصان الضوء الذي على وجه الأرض. وإنما يدرك الشخصين اللذين على هذه الصفة لتفرقهما وظهور السماء من ورائهما. فإذا أدرك البصر الشخصين اللذين على هذه الصفة في ضوء النهار، وكان بعد أبعدهما من الأبعاد المعتدلة، فإنه يدرك البعد الذي بينه وبين كل واحد منهما، ويدرك اختلاف بعديهما، ولا يعرض له الغلط في بعديهما، إذا كانت المعاني التي فيهما التي بها يتم إدراك المبصرات على ما هي عليه في عرض الاعتدال.
الوضع وقد يعرض الغلط في وضع المبصر أيضًا من أجل خروج الضوء الذي فيه عن عرض الاعتدال. وذلك أن المبصر الذي يدركه البصر في موضع مغدر شديد الغدرة وليس فيه إلا ضوء بسير، إذا كان سطحه مائلًا على خطوط الشعاع ميلًا ليس بالمتفاوت، وكان مع ذلك صغير المقدار، فإن البصر لا يدرك ميله بل يدركه كأنه مواجه كما يدرك المبصرات المواجهة. وذلك أن المبصر إذا أدركه البصر في موضع مغدر شديد الغدرة فليس يدرك صورته إدراكًا محققًا، وكان مع ذلك صغير الحجم، وكان سطحه مظلمًا ليس فيه إلا ضوء يسير، فإنما يدرك منه ظلمة فقط، ولا تتميز له هيئة وضعه ولا يحس بميله وإنما يدركه مقابلًا له فقط، فهو يدركه كما يدرك المبصرات المواجهة وليس يفرق بينه وبين المبصر المواجه. وإذا لم يفرق البصر بين وضع المبصر المائل وبين وضع المواجه فهو غالط في وضعه.
الشكل