وكذلك أيضًا إذا أدرك المبصر البصر في موضع مغدر أو في سواد الليل، وكان شكل المبصر شكلًا مضلعًا كثير الأضلاع، وكان ذلك المبصر صغير المقدار وكانت أقطاره مع ذلك متساوية، فإن البصر يدرك ذلك المبصر مستديرًا ولا يحس بزواياه وأضلاعه. وذلك لأن المبصر الكثير الأضلاع إذا كان صغير المقدار كانت زواياه صغارًا، وإذا كانت زواياه صغارًا ولم يكن الضوء الذي عليه قويًا فإن زواياه تخفى عن البصر وإن لم تخف جملته لصغر الزوايا، ولأن المبصرات التي في غاية الصغر تخفى في المواضع المغدرة التي قد تظهر فيها المبصرات المقتدرة الحجم. فإذا كانت زوايا المبصر صغارًا وكانت أقطاره متساوية وكان في موضع شديد الغدرة، فإن البصر يدركه مستديرًا ولا يحس بزواياه وأضلاعه.
وكذلك إن كان سطح المبصر كريًا أو كان فيه تحديب بأي شكل كان وكان تحديبه يسيرًا، أو كان مقعرًا وكان تقعيره يسيرًا، وأدركه البصر في موضع مغدر شديد الغدرة أو في سواد الليل، فإنه يدركه مسطحًا ولا يحس بتحديب المحدب ولا تقعير المقعر إذا كان التحديب أو التقعير يسيرًا وكان الموضع شديد الغدرة.
وإذا أدرك البصر المبصر المضلع مستديرًا وأدرك المحدب والمقعر مسطحًا فهو غالط في شكل كل واحد منهما. والغلط في الوضع وفي الشكل وفي هيئات السطوح هي أغلاط في القياس لأن إدراك هذه المعاني إنما تكون بالقياس. وعلة هذه الأغلاط هو خروج الضوء الذي في المبصر عن عرض الاعتدال، لأن المبصرات المائلة والمضلعة والمحدبة والمقعرة إذا كان الضوء الذي عليها قويًا فإن البصر يدرك وضعها وشكلها ويدرك هيئات سطوحها على ما هي عليه إذا كانت المعاني الباقية التي فيها في عرض الاعتدال.
الشكل وقد يعرض الغلط في العظم أيضًا من أجل خروج الضوء الذي في المبصر عن عرض الاعتدال. وذلك أن البصر إذا نظر في سواد الليل إلى شخص قائم كنخلة أو شجرة أو حائط، وكان من وراء ذلك الشخص جبل أو جدار، وكان الشخص أقرب إلى البصر من الجبل أو الجدار، وكان بين الشخص وبين الجبل أو الجدار بعد مقتدر، فإن البصر يدرك ذلك الشخص في سواد الليل كأنه في ضمن ذلك الجبل أو الجدار أو مماس له. وذلك لأن البصر لا يدرك البعد الذي بين الشخص والجبل أو الجدار الذي وراءه في سواد الليل. وإذا كان الشخص أقرب إلى البصر من الجبل أو الجدار فإن البصر يدرك رأس ذلك الشخص مسامتًا لموضع من أعلى الجبل أو الجدار إما ذروته أو موضع من أعلاه، ويكون الموضع الذي يدركه البصر من الجبل أو الجدار مع رأس ذلك الشخص أرفع من طول الشخص وربما كان أضعافًا كثيرة لمقدار طول الشخص بحسب البعد الذي بين الشخص وبين الجدار أو الجبل. وإذا أدرك البصر طرف الشخص مع ذروة الجبل أو الجدار أو مع موضع منه أي موضع كان، وكان مع ذلك يظن بالشخص أنه مجاور للجبل أو الجدار أو ملتصق به، فإنه يظن أن طول الشخص مساو لارتفاع الموضع من الجبل أو الجدار الذي يرى طرف الشخص مسامتًا له، وربما أدرك رأس الشخص أرفع من ذروة الجبل أو الجدار فيظنه أطول منه.
وإذا ظن البصر أن طول الشخص مساو لارتفاع الجبل أو الجدار الذي يراه من ورائه الذي بينه وبينه مسافة فهو غالط في مقدار طول الشخص أو في مقدار ارتفاع الجبل أو الجدار، ويكون هذا الغلط غلطًا في القياس لأن العظم يدرك بالقياس. وعلة هذا الغلط هو خروج الضوء الذي في الشخص وفي الجبل أو الجدار الذي وراءه عن عرض الاعتدال بالإفراط في النقصان، لأن الشخص الذي بهذه الصفة إذا أدركه البصر في ضوء النهار فإنه يدرك ارتفاعه على ما هو عليه، ويدرك ارتفاع الجبل أو الجدار على ما هو عليه، ويدرك البعد الذي بينهما على ما هو عليه، إذا كانت المعاني الباقية التي في هذه المبصرات في عرض الاعتدال.
ه ز