الصفحة 213 من 245

وقد يعرض الغلط في التفرق أيضًا من أجل خروج الضوء الذي في المبصر عن عرض الاعتدال. وذلك أن الأخشاب الجسام إذا أراد النجار أن يشق منها ألواحًا فإنه يخط فيها خطوطًا مستقيمة بالسواد في المواضع التي يريد شقها، فإذا شقها صارت مواضع الخطوط شقوقًا نافذة. فإذا أدرك البصر جسمًا من هذه الأجسام قبل أن تشق وكانت الخطوط مخطوطة فيه، وأدركه البصر في موضع مغدر شديد الغدرة أو أدركه في الغلس، ولم يكن قد تقدم علم الناظر بذلك الجسم، فإنه يظن بتلك الخطوط السود أنها تفرق وشقوق، وأن ذلك الجسم هو عدة ألواح قد شقت وبعضها منطبق على بعض، لأن النجار إذا شق الألواح قد شقت وبعضها منطبق على بعض، لأن النجار إذا شق الألواح التي بهذه الصفة فإنه يبقيها على وضعها ولا يفرق بينها إلى وقت الحاجة إليها. وإذا ظن البصر بالجسم الواحد المتصل أنه عدة أجسام مضموم بعضها إلى بعض، وأن الخطوط السود التي فيه هي تفرق بين تلك الأجسام إذا كانت واحدًا وهو يظنها جماعة.

وكذلك إذا أدرك البصر عدة من المبصرات في موضع مغدر شديد الغدرة أو في سواد الليل، وكانت تلك المبصرات مظلمة الألوان ومتشابهة الألوان، وكانت متضامة ومنطبقًا بعضها على بعض وكان التفرق والتماس الذي بينها ضيقًا خفيًا، فإن البصر يدرك المبصرات التي بهذه الصفة كأنها جسم واحد متصل ولا يدرك التفرق الذي بينها، لأن المعاني الدقيقة والتفرق الخفي الضيق ليس يظهر للبصر في المواضع الشديدة الغدرة وفي سواد الليل. وإذا كانت ألوان تلك المبصرات مظلمة كان جملتها مظلمًا ولم تتميز ظلمتها من ظلمة التفرق الخفي الذي في تضاعيفها. وإذا أدرك البصر الأجسام المتفرقة جسمًا واحدًا متصلًا فهو غالط فيما يدركه من اتصالها، وغالط في عددها أيضًا إذا كانت جماعة وهو يظن أنها واحد.

وكذلك إذا كانت مبصرات صقيلة شديدة الصقال وكانت متضامة ومماسًا بعضها لبعض، وكان التفرق بينها ضيقًا خفيًا، وكانت تلك المبصرات مع ذلك متشابهة في اللون، وكانت سطوحها متشابهة الوضع، وأشرق على هذه المبصرات ضوء الشمس، وكان البصر ينظر إلى هذه المبصرات وضوء ا لشمس منعكس من سطوحها الصقيلة إلى البصر، فإن البصر إذا أدرك المبصرات التي بهذه الصفة منعكس من سطوحها إلى البصر فإنه لا يدرك التفرق الذي فيها ويظن بها أنها جسم واحد متصل. وذلك أن سطح المبصر إذا كان صقيلًا وانعكس الضوء منه إلى البصر ليس يدرك صورة ذلك السطح إدراكًا محققًا، ولا يدرك المعاني الدقيقة التي تكون في ذلك السطح. فإن كان التفرق الذي بين المبصرات التي بهذه الصفة تفرقًا خفيًا ضيقًا فإن البصر لا يدركه لانعكاس الضوء من سطوح تلك المبصرات إلى البصر. وإذا لم يدرك البصر التفرق الذي بين تلك المبصرات فهو يظن بها أنها جسم واحد متصل.

وإذا ظن البصر بالأجسام المتفرقة والمتماسة أنها جسم واحد متصل فهو غالط فيما يدركه من اتصالها وغالط في عددها. والغلط في التفرق وفي الاتصال وفي العدد هو غلط في القياس لأن التفرق والاتصال والعدد إنما يدرك بالقياس. وعلة هذه الأغلاط هو خروج الضوء الذي في هذه المبصرات عن عرض الاعتدال بالإفراط في النقصان وفي الزيادة، لأن المبصرات التي وصفناها إذا كان الضوء الذي عليها معتدلًا فإن البصر يدرك التفرق الذي فيها، ويدرك اتصال المتصل منها، ويدرك عددها، ويدرك جميع المعاني التي فيها على ما هي عليه، ولا يعرض له الغلط في شيء منها، إذا كانت المعاني الباقية التي في هذه المبصرات التي بها يتم إدراك المبصرات على ما هي عليه في عرض الاعتدال.

الحركة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت