الصفحة 215 من 245

والغلط في الخشونة والملاسة وفي الشفيف والكثافة هي أغلاط في القياس لأن الخشونة والشفيف والكثافة إنما تدرك بالقياس. وعلة هذه الغلاط على الصفات التي وصفناها هي خروج الضوء الذي في هذه المبصرات عن عرض الاعتدال بالإفراط في النقصان، لأن هذه المبصرات إذا أدركها البصر في ضوء معتدل فإنه يدرك الخشونة في الخشن منها ويدرك الملاسة في الأملس منها، ويدرك الشفيف في المشف على ما هو عليه ويدرك كثافة الكثيف، ولا يعرض له الغلط في شيء من هذه المعاني إذا كانت المعاني الباقية التي في هذه المبصرات في عرض الاعتدال.

الظل وقد يعرض الغلط في الظل أيضًا من اجل خروج الضوء الذي في المبصر عن عرض الاعتدال. وذلك انه إذا كان في بيت من البيوت حائط، وكان بعض ذلك الحائط أبيض أو ذا لون مسفر وكان بعضه أسود أو ذا لون مظلم، وكان الفصل الذي بين جزءي الحائط الذي بهذه الصفة ممتدًا في ارتفاع الحائط وذلك يكون في الحيطان التي توقد النار في فنائها دائمًا فيسود بعضها بالدخان. وإذا كان الحائط الذي بهذه الصفة في صدر بيت وكان باب البيت مقابلًا لذلك الحائط، وكان خارج البيت سراج في ظلمة الليل وكان السراج مقابلًا لباب البيت وبعيدًا عنه، ودخل ضوء السراج من باب البيت وأشرق على ذلك الحائط من بعد، وحصل الضوء على بعض الجزء الأبيض وبعض الجزء الأسود، وكان الضوء ضعيفًا من أجل بعد السراج، ونظر البصر إلى ذلك الحائط الذي بهذه الصفة، فإنه ربما ظن بالجزء الأسود الذي عليه الضوء انه ظل إذا لم يكن قد تقدم علم الناظر بسواد ذلك الموضع. وذلك لأن الحائط المقابل لباب البيت قد جرت العادة أن يستظل بالحائط المقابل له الذي فيه باب البيت، وإذا كان الضوء الذي على الحائط ضعيفًا فليس يتميز للبصر السواد من الظلمة، وخاصة إذا كان الجزء من الحائط المجاور لهذا الجزء أبيض أو مسفر اللون. والبصر من شأنه أن يشبه ما يدركه في الحال بما قد أدركه من أمثاله من قبل، فلذلك ربما ظن بالحائط الأسود والمظلم اللون المجاور للموضع الأبيض والمسفر اللون انه مستظل، مع إشراق ضوء السراج عليه، إذا كان الضوء ضعيفًا، وإذا أدرك البصر الجسم المضيء الذي لا ظل عليه مستظلًا فهو غالط فيما يدركه من الظل.

وكذلك إذا أدرك البصر في سواد الليل حائطًا أبيض، وكان في ذلك الحائط مواضع سود، وكان على ذلك الحائط ضوء خفي من ضوء مصباح، فإنه ربما ظن بالمواضع السود التي يدركها في ذلك الحائط أنها كوى وثقوب، وان السواد الذي يظهر فيها هو ظلمة تلك الثقوب.

وإذا ظن البصر بالجسم المصمت الأسود أنه مكان خال مظلم فهو غالط فيما يدركه من ظلمته. والغلط في الظل والظلمة هو غلط في القياس، لأن الظل والظلمة تدركان بالقياس. وعلة هذا الغلط هو خروج الضوء الذي في المبصر عن عرض الاعتدال، لأن هذه المبصرات إذا أدركها البصر في ضوء معتدل، ومن ذلك البعد بعينه، فإنه يدركها على ما هي عليه ولا يعرض له الغلط في ظل ما ليس بمستظل ولا في ظلمة ما ليس هو مظلمًا، إذا كانت المعاني الباقية التي في هذه المبصرات في عرض الاعتدال.

الحسن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت