الصفحة 216 من 245

وقد يعرض الغلط في الحسن أيضًا من أجل خروج الضوء الذي وفي المبصر عن عرض الاعتدال. وذلك أن المبصر الحسن الصورة إذا كانت فيه معان تشينه، ولم تكن تلك المعاني بكل الظاهرة بل كان فيها بعض اللطافة أو بعض الخفاء، وأدرك البصر ذلك المبصر في الليل وقد أشرق على ذلك المبصر ضوء مصباح ضعيف الضوء، فإن البصر يدرك المبصر الذي بهذه الصفة حسن الصورة ولا يدرك شيئًا من معانيه التي تشينه. وأمثال ذلك شخص جوارحه حسنة الصورة في أشكالها وهيئاتها وفيه مع ذلك زرقة في عينيه أو شقرة في شعره أو كلف في وجهه أو آثار قروح أو نمش في بشرته أو مجموع ذلك أو مجموع بعضه. وكل واحد من هذه المعاني يشين صورة الإنسان ويقبح محاسنه. فإذا أدرك البصر إنسانًا بهذه الصفة في الليل وفي ضوء مصباح ليس بقوي الضوء فإنه يدرك هيئة أعضائه وأشكال جوارحه المقبولة الحسنة الجملة، ولا يدرك مع ذلك ما في جوارحه من الآثار، ولا الشقرة والزرقة اللواتي تشينه وتقبح صورته لضعف الضوء ولأن المعاني اللطيفة ليس يدركها البصر إلا في ضوء قوي. وما أكثر ما يستحسن البصر في ضوء السراج إذا كان ضعيفًا وفي المواضع المغدرة أشخاصًا ليست بمستحسنة. وكذلك جميع المبصرات التي محاسنها ظاهرة ومعانيها التي تشينها وتقبحها خفية وليست بكل البينة يدرك البصر محاسنها ولا يدرك مقابحها. وإذا أدرك البصر محاسن الصورة ولم يدرك مقابحها فإنه يدركها حسنة ولا يحكم لها بشيء من القبح. وإذا أدرك البصر الصور المشينة حسنة فهو غالط في حسنها.

وكذلك إذا أدرك البصر في الليل وفي الضوء الخفي وفي المواضع المغدرة المبصرات التي معانيها الظاهرة قبيحة وغير مستحسنة ومحسنة لجملة الصورة، فإنه يدركها قبيحة غير مستحسنة ولا يحكم لها بشيء من الحسن إذا لم يدرك المحاسن اللطيفة التي فيها.

وإذا أدرك البصر الصورة الحسنة قبيحة فهو غالط في قبحها. والغلط في الحسن وفي القبح هو غلط في القياس لأن الحسن والقبح يدركان بالقياس، ولأن هذا الغلط الذي على هذه الصفة إنما يكون لتعويل البصر على المعاني الظاهرة فقط وسكونه إلى نتائجها من غير اعتبار بما يجوز أن يخفى في الحال عن البصر من المعاني. وعلة هذا الغلط هو خروج الضوء الذي في المبصر عن عرض الاعتدال، لأن المبصرات التي بهذه الصفة إذا أدركها البصر في الضوء المعتدل فإنه يدرك محاسن المستحسن منها ويدرك معايب المستقبح، ولا يعرض له الغلط في حسن المستحسن ولا في قبح المستقبح، إذا كانت المعاني الباقية التي في هذه المبصرات في عرض الاعتدال.

التشابه والاختلاف وعلى هذه الصفة بعينها قد يعرض للبصر الغلط في التشابه والاختلاف أيضًا. وذلك أن البصر إذا أدرك شخصين في موضع مغدر أو في ضوء سراج ضعيف الضوء، وكان ذانك الشخصان متشابهين في المعاني الظاهرة التي هي اللون والشكل والهيئة وأشكال أجزاء المبصر، وكان الشخصان مع ذلك مختلفين في معان لطيفة كالزرقة والشهلة والشقرة والنمش والكلف والآثار في أشخاص الناس وكالنقوش والتخاطيط اللطيفة في الثياب والفروش وسائر الآلات وسائر الجمادات، فإن البصر يدرك الشخصين الذين بهذه الصفة متشابهين ولا يحكم لهما بشيء من الاختلاف، لأنه لا يدرك المعاني اللطيفة التي فيهما في الموضع المغدر وفي الضوء الضعيف التي بها يختلفان. وإذا أدرك البصر الشخصين المختلفين متشابهين على الإطلاق ولم يحكم لهما بشيء من الاختلاف فهو غالط في تشابههما.

وكذلك إذا كان الشخصان مختلفين في المعاني الظاهرة، أعني في اللون والشكل والعظم وفي الهيئة وفي أشكال الأجزاء وهيئاتها، وكانا مع ذلك متشابهين في المعاني اللطيفة، فإن البصر إذا أدركهما في موضع مغدر وفي ضوء ضعيف فإنه يدرك الشخصين اللذين على هذه الصفة مختلفين على الإطلاق وغير متشابهين ولا يحكم لهما بشيء من التشابه إذا لم يدرك المعاني اللطيفة التي يتشابهان فيها. وإذا أدرك البصر الشخصين المتشابهين مختلفين ولم يحكم لهما بشيء من التشابه فهو غالط في اختلافهما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت