وقد يدرك البصر المبصر المتحرك ساكنًا إذا كانت حركته في غاية السرعة أيضًا، وذلك مثل الدوامة إذا كانت سريعة الحركة، فإن البصر يدرك الدوامة إذا كانت متحركة حركة سريعة كأنها ساكنة، وذلك لأن البصر يدرك كل جزء من أجزاء الدوامة في جميع الدائرة التي يتحرك عليها ذلك الجزء في زمان في غاية الصغر ليس في قدرة الحس تمييز أجزائه، وذلك لأن الدوامة إذا كانت حركتها في غاية السرعة فإن كل جزء منها يقطع الدائرة التي يتحرك عليها في زمان في غاية الصغر، وقد تبين فيما تقدم أن البصر ليس يدرك الحركة إلا في زمان محسوس.
وإذا أدرك البصر كل جزء من أجزاء الدوامة على جميع محيط الدائرة التي يتحرك عليها ذلك الجزء في أقل القليل من الزمان الذي هو بمنزلة الآن عند الحس، ثم اتصلت حركة الدوامة، فإنه يدرك لون كل نقطة من الدوامة على جميع محيط الدائرة التي تتحرك عليها تلك النقطة في مدة الزمان الذي تتحرك فيه الدوامة الحركة السريعة. فإن كانت الدوامة ذات لون واحد لم تتميز أجزاؤها للبصر في حال حركتها. وإذا كانت ذات ألوان مختلفة على الصفة التي تقدمت في المقالة الثانية ظهر لونها لونًا واحدًا ممتزجًا من تلك الألوان كما تبين ذلك في المقالة الثانية. وإذا ظهرت ذات لون واحد تتميز أجزاؤها مع الحركة السريعة. وإن كان فيها نقط متفرقة، أو نقط مخالفة اللون للون جملة الدوامة، فإن كل نقطة منها يظهر لونها على جميع محيط الدائرة التي تتحرك عليها تلك النقطة ويمكث ذلك اللون مستديرًا على صفة واحدة ما دامت الدوامة تتحرك الحركة السريعة، ويدرك البصر الدوامة كأن في سطحها دوائر مخالفة الألوان لبقية لونها، لأن البصر يدرك لون النقطة في جميع الزمان الذي تتحرك فيه الدوامة الحركة السريعة على جميع محيط الدائرة. فعلى تصاريف أحوال الدوامة في ألوانها، إذا كانت الدوامة تتحرك حركة سريعة، فإن البصر يدرك صورة لونها أو ألوانها على صفة واحدة لا تتغير زمانًا محسوسًا، وهو مدة الزمان الذي تتحرك فيه الدوامة الحركة السريعة. والبر إنما يدرك الحركة المستديرة من تبدل أجزاء المتحرك بالقياس إلى البصر نفسه أو بالقياس إلى جسم غيره، ويدرك السكون من إدراك المبصر على صفة واحدة وعلى وضع واحد زمانًا محسوسًا. وإذا أدرك البصر الدوامة على صفة واحدة زمانًا محسوسًا، وأدرك وضع أجزائها على صفة واحدة ولم يحس بتبدل أجزائها، فهو يدركها ساكنة ولا يحس بحركتها.
وإذا أدرك البصر الدوامة المتحركة ساكنة فهو غالط في سكونها، ويكون غلطه غلطًا في القياس. ويكون علة هذا الغلط هو خروج الزمان الذي فيه يدرك البصر كل جزء من أجزاء الدوامة على جميع محيط الدائرة التي يتحرك عليها ذلك الجزء عن عرض الاعتدال بالإفراط في القصر، لأنه إذا كان هذا الزمان في غاية القصر لم يدرك الحس أجزاءه، وإذا لم يدرك أجزاءه لم يدرك أجزاء الحركة، وإذا لم يدرك أجزاء الحركة لم يدرك تبدل أجزاء الدوامة، وإذا لم يدرك تبدل أجزاء الدوامة لم يدرك حركتها، فعلة هذا الغلط هو قصر الزمان الذي فيه يدرك البصر المبصر المتحرك في جميع المسافة التي يتحرك عليها.
الخشونة والملاسة وقد يعرض الغلط في الخشونة وفي الملاسة أيضًا من أجل قصر الزمان. وذلك لأن البصر إذا لمح مبصرًا من المبصرات لمحة يسيرة ثم التفت عنه في الحال، وكان في ذلك المبصر خشونة يسيرة، فإن البصر لا يدرك الخشونة اليسيرة التي تكون في سطح ذلك المبصر، لأن الخشونة اليسيرة ليس يدركها البصر إلا بالتأمل المستقصى، والتأمل المستقصى ليس يكون إلا في زمان مقتدر. وإذا لمح البصر المبصر لمحة يسيرة في زمان يسير المقدار فليس يدرك الخشونة التي تكون فيه. وإذا لم يدرك الخشونة التي فيسطح المبصر فهو يدركه أملس، لأنه يدركه كما يدرك السطوح الملس فلا يفرق بينه وبين السطوح الملس. وكذلك إذا كان المبصر أملس ولمحه البصر لمحة خفيفة فإنه لا يتحقق ملاسته. فإن كان ذلك المبصر من المبصرات التي يحتمل أن يكون فيها خشونة ويكون أكثرها خشنة السطوح فإن البصر ربما ظن بذلك المبصر أنه خشن السطح إذا لم يتحقق ملاسته.