الصفحة 234 من 245

وإذا أدرك البصر الأجسام المتضامة جسمًا واحدًا متصلًا فهو غالط فيما يدركه من اتصالها، وهو غالط في العدد أيضًا إذا ظن بعدة أجسام أنها جسم واحد. والغلط في التفرق وفي الاتصال وفي العدد هي أغلاط في القياس لأن التفرق والاتصال والعدد إنما يدرك بالقياس. وعلة هذه الأغلاط هو خروج الزمان الذي يدرك فيه البصر هذه المبصرات عن عرض الاعتدال، لأن المبصرات التي بهذه الصفة إذا أدركها البصر ولبث في مقابلتها زمانًا مقتدرًا وتأملها تأملًا صحيحًا فإنه يدرك الاتصال في المتصل منها ويدرك التفرق في المتفرق ويدرك عددها على ما هو عليه، إذا كانت المعاني الباقية التي في تلك المبصرات في عرض الاعتدال.

الحركة وقد يعرض الغلط في الحركة أيضًا من أجل قصر الزمان. وذلك أن البصر إذا لمح متحركين يتحركان في وقت واحد كفارسين يتحاربان أو شخصين يتساعيان، وكانت حركتاهما مختلفة اختلافًا يسيرًا، ولم يلبث البصر في مقابلتهما بل التفت عنهما في الحال، فإن البصر يدرك المتحركين اللذين بهذه الصفة متساويي الحركة ولا يحس باختلاف حركتيهما إذا كان الاختلاف الذي بينهما يسيرًا. وذلك أن الاختلاف اليسير الذي يكون بين الحركتين ليس يدركه البصر إلا بالتأمل المستقصى، وليس يكون إلا في زمان سعة، وليس يكون في أقل القليل من الزمان الذي هو لمح البصر.

وإذا أدرك البصر الحركتين المختلفتين متساويتين فهو غالط في تساويهما. والغلط في الحركات وفي تساوي الحركات هو غلط في القياس لأن الحركات وتساوي الحركات ليس يدرك إلا بالقياس. وعلة هذا الغلط هو خروج الزمان الذي يدرك فيه البصر الحركتين التين بهذه الصفة عن عرض الاعتدال، لأن المتحركين المختلفي الحركة إذا أدركهما البصر في زمان فسيح وتأمل حركتيهما في ذلك الزمان تأملًا مستقصى فإنه يدرك اختلاف حركتيهما ولا يعرض له الغلط في كيفية حركتيهما، إذا كانت المعاني الباقية التي في ذينك المبصرين في عرض الاعتدال.

السكون وقد يعرض الغلط في السكون أيضًا من أجل خروج الزمان عن عرض الاعتدال. وذلك أن البصر إذا نظر إلى مبصر من المبصرات، وكان ذلك المبصر يتحرك حركة بطيئة في غاية البطء، ولم يلبث البصر في تأمل ذلك المبصر إلا زمانًا يسيرًا، فإن البصر يدرك ذلك المبصر ساكنًا كانت حركته على الاستقامة أو على الاستدارة وإن كان على بعد معتدل. وذلك أن المبصر يتحرك حركة بطيئة مسرفة البطء فهو يقطع في زمان محسوس مسافة غير محسوسة، فإذا كان البصر ناظرًا إلى ذلك المبصر وثابتًا في مقابلته ذلك القدر من الزمان فقط الذي يقطع فيه ذلك المبصر مسافة غير محسوسة أو بعض ذلك الزمان فإن البصر لا يحس بالمسافة التي يقطعها ذلك المبصر في ذلك القدر من الزمان، وإذا لم يحس بالمسافة التي يقطعها المبصر في ذلك القدر من الزمان فهو يدركه ساكنًا.

فإذا نظر البصر إلى مبصر من المبصرات المتحركة ولم يلبث في مقابلته إلا زمانًا يسيرًا، وكان ذلك المبصر بطيء الحركة، وكانت المسافة التي يقطعها ذلك المبصر في ذلك المبصر في ذلك القدر من الزمان الذي أدرك فيه البصر إذا أدرك المبصر في موضع واحد وعلى وضع واحد زمانًا محسوسًا فإنه يدركه في ذلك القدر من الزمان ساكنًا ولا يحس بحركته في ذلك القدر من الزمان، ولذلك يدرك الكواكب كأنها ساكنة إذا لم يطل النظر إليها. وإذا أدرك البصر المبصر المتحرك ساكنًا فهو غالط في سكونه. والغلط في السكون هو غلط في القياس لأن السكون يدرك بالقياس. وعلة هذا الغلط هو خروج الزمان الذي يدرك فيه البصر المبصر الذي بهذه الصفة عن عرض الاعتدال، لأن البصر إذا أدرك المبصر وثبت في مقابلته زمانًا مقتدرًا يقطع ذلك المبصر في مثله مسافة محسوسة فإن البصر يدرك حركة ذلك المبصر، إذا كانت المعاني الباقية التي في ذلك المبصر في عرض الاعتدال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت