الصفحة 240 من 245

فإذا أدرك الأحول مبصرات كثيرة في وقت واحد فإنه إما أن يدرك كل واحد منها اثنين وإما أن يدرك بعضها أو واحدًا منها اثنين، وهذه حال الأحول في أكثر الأحوال. وإذا أدرك البصر المبصرات على هذه الصفة وأدرك كل واحد منها اثنين، وأدرك بعضها أو واحدًا منها اثنين، فهو غالط في عددها. فالبصر إذا كان به حول وكان الإبصار ببصرين فإنه يعرض له الغلط في عدد المبصرات دائمًا. والغلط في الوضع وفي الشكل وفي العظم وفي التفرق وفي الاتصال وفي العدد هي أغلاط في القياس، لأن هذه المعاني تدرك بالقياس. وعلة هذه الأغلاط إذا كانت على الصفات التي وصفناها هي ضعف البصر، لأن البصر الصحيح ليس يعرض له الغلط في شيء من هذه المعاني إذا كانت المعاني الباقية التي في المبصرات التي بهذه الصفة في عرض الاعتدال.

الحركة والسكون وقد يعرض الغلط في الحركة أيضًا من اجل خروج البصر عن عرض الاعتدال. وذلك أن الإنسان إذا دار دورانًا سريعًا مرات كثيرة ثم وقف فإنه يرى جميع ما يدركه من المبصرات في تلك الحال كأنها تدور، وهي مع ذلك ساكنة. وإنما يعرض له ذلك لأن الروح التي في البصر في تلك الحال تتحرك في موضعها وتدور عند دوران الإنسان وتتموج، فإذا وقف الإنسان الذي بهذه الصفة من بعد الدوران السريع بقيت الحركة في الروح الباصرة بعد سكون الإنسان ساعة من الزمان ما تبقى الحركة في الجسم الذي يحركه الإنسان حركة مستديرة ثم أمسك عنه بقيت الحركة في ذلك الجسم زمانًا، فيكون ذلك الجسم يتحرك من غير محرك بل بما حصل فيه من تحريك المحرك، كالدوامة وما جرى مجراها. كذلك تكون الروح الباصرة بعد سكون الإنسان من الدوران، فتبقى الحركة فيها زمانًا. وما دامت الحركة فيها فالناظر يرى المبصرات كأنها تتحرك وتدور، ثم إذا سكنت الحركة التي في الروح الباصرة سكن ذلك الدوران الذي يدركه البصر في تلك المبصرات. وكذلك يكون حال الإبصار إذا عرض للإنسان المرض الذي يسمى الدوار.

فإذا دار الإنسان دورانًا شديدًا أو عرض له المرض الذي يسمى الدوار عرض في الروح الباصرة حركة مستديرة. وإذا عرض في الروح الباصرة حركة مستديرة بعد أن كانت ساكنة فقد خرج البصر عن حد اعتداله. وإذا عرض للروح حركة مستديرة ولم تكن ساكنة على حالها الطبيعية فإنها تدرك المبصرات كأنها متحركة حركة سريعة مستديرة، لأن صور المبصرات التي تحصل فيها في تلك الحال تكون متنقلة في أجزاء الروح الباصرة من أجل حركة الروح، ويكون انتقالها في جسم الروح الباصرة على استدارة من أجل حركتها على استدارة. وإذا تحركت الصورة في أجزاء الروح الباصرة على استدارة كانت بمنزلة حركة صورة المبصر الذي له حركة مستديرة في أجزاء الروح الباصرة إذا كانت ساكنة، فإن المبصر المتحرك حركة مستديرة تتحرك صورته في أجزاء الروح الباصرة حركة مستديرة. فإدراك البصر المبصرات متحركة على استدارة مع سكونها عند الدوران السريع وعند المرض المسمى الدوار إنما هو لحركة الروح الباصرة وحركة صور المبصرات في أجزاءها من أجل حركتها.

وإذا أدرك البصر المبصرات الساكنة متحركة في عقيب الدوران وفي حال المرض المسمى الدوار فهو غالط فيما يدركه من تلك المبصرات ويكون غلطه غلطًا في القياس لأن الحركة تدرك بالقياس. وعلة هذا الغلط هو خروج البصر عن عرض الاعتدال. لأن البصر الصحيح ليس يدرك شيئًا من المبصرات متحركًا على هذه الصفة إذا كانت المعاني الباقية التي في تلك المبصرات في عرض الاعتدال.

وقد يعرض الغلط في السكون أيضًا من أجل ضعف البصر وتغيره. وذلك أن المبصر إذا كان يتحرك حركة مستديرة، وكان ذلك المبصر متشابه اللون ومستدير الشكل، وكانت أجزاء سطحه متشابهة، فإن البصر لا يدرك حركته إذا كان البصر ضعيفًا وإن كانت الحركة المستديرة بطيئة. وذلك لأن الحركة المستديرة ليس يدركها البصر إلا من تبدل أجزاء المتحرك بالقياس إلى البصر أو بالقياس إلى جسم آخر أو من قياس جزء من المتحرك إلى أجسام أخر. وإذا كان المتحرك مستدير الشكل وكان سطحه متشابه اللون ومتشابه الصورة فإن أجزاءه وتبدل أجزائه ليس يدركها البصر الصحيح إلا بتأمل شديد مستقصى إذا كانت الحركة بطيئة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت