فأما إذا كانت حركة المبصر الذي بهذه الصفة حركة سريعة وشديدة السرعة فليس يدركها البصر وإن كان صحيحًا. فإن كان المبصر متشابه الصورة فليس يظهر للبصر الصحيح أجزاؤه ولا تبدل أجزائه إلا من تأمل شديد مستقصى ومن إدراكه للأجزاء اللطيفة التي تكون في ذلك المبصر. وليس يدرك البصر الحركة المستديرة إن لم يتميز له شيء من أجزاء المبصر. فإذا كان البصر ضعيفًا وكانت أجزاء المبصر متشابهة فليس تتميز له أجزاء المبصر. وإذا لم تتميز له أجزاء المبصر وكان المبصر متشابه الأجزاء فليس يدرك تبدل أجزائه ولا مسامتة الجزء من أجزائه لغيره من المبصرات. وإذا لم يدرك البصر أجزاء المبصر المتحرك ولم يدرك تبدل أجزاء المبصر فليس يدرك حركته إذا كانت حركته مستديرة وكان المتحرك لازمًا لموضع واحد.
وهذا الغط يعرض للبصر الضعيف دائمًا إذا نظر إلى الرحى وهي تدور، فإن هذه المعاني تكون جميعها في الرحى. فالبصر الصحيح يدرك حركة الرحى من إدراكه لتبدل أجزائها، وإدراكه لتبدل أجزائها إنما هو من إدراكه لأجزائه الصغار. والبصر الضعيف لا يدرك حركة الرحى إذا كان متشابه الأجزاء، لأمنه لا يدرك أجزاءه الصغار ولا يدرك تبدلها. فالبصر الضعيف والمؤوف إذا نظر إلى الرحى وهي تتحرك وتدور فهو يدركها كأنها ساكنة، فيكون غالطًا في سكونها، ويكون غلطه غلطًا في القياس لأن السكون يدرك بالقياس. ويكون علة هذا الغلط هو ضعف البصر، لأن البصر الصحيح يدرك حركة الرحى على ما هي عليه إذا كانت المعاني الباقية التي في تلك الرحى في عرض الاعتدال.
الخشونة والملاسة والشفيف والكثافة وقد يعرض الغلط في الخشونة والملاسة والشفيف والكثافة أيضًا من أجل خروج البصر عن عرض الاعتدال. وذلك أن البصر الضعيف والمأوف ليس يدرك المعاني اللطيفة التي تكون في المبصر، فإن كان المبصر خشونة يسيرة فليس يدركها البصر الضعيف، وإذا لم يدرك البصر الخشونة التي في سطح المبصر فهو يظنه أملس، وإذا أدرك البصر المبصر الخشن أملس فهو غالط في ملاسته.
وكذلك إذا نظر البصر الضعيف إلى مبصر أملس، وكان ذلك المبصر يشبه مبصرًا من المبصرات الخشنة التي يعرفها ذلك الناظر ويعرف خشونتها، فإنه ربما ظن بذلك المبصر الأملس أنه خشن. وإذا ظن بالمبصر الأملس أنه خشن فهو غالط في خشونته.
وكذلك إذا نظر البصر الضعيف والمأوف إلى مبصر مشف، وكان ذلك المبصر قوي الشفيف وفيه مع ذلك بعض الكثافة، فإن البصر الضعيف ليس يدرك شفيفه على ما هو عليه. وذلك لأنه يدرك الكثافة اليسيرة في ذلك المبصر أغلظ مما هي لضعفه. وإذا أدرك كثافة ذلك المبصر أغلظ مما هي فهو يدرك شفيفه أقل مما هو عليه. وإذا أدرك شفيف المبصر أقل مما هو عليه فهو غالط في شفيفه.
وإذا كان الشفيف الذي في المبصر يسيرًا، وكان المبصر متلونًا بلون قوي، فإن البصر الضعيف والمأوف لا يدرك الشفيف الذي في ذلك المبصر، وليس يدرك الشفيف اليسير إلا البصر القوي الصحيح. وإذا لم يدرك البصر الضعيف الشفيف الذي في المبصر اليسير الشفيف فهو يدركه كثيفًا، لأن يشبهه بأمثاله من المبصرات الكثيفة المتلونة بذلك اللون. وإذا أدرك المشف كثيفًا فهو غالط في كثافته.
والغلط في الخشونة وفي الملاسة وفي الشفيف وفي الكثافة على الصفات التي وصفناها هي أغلاط في القياس لأن هذه المعاني تدرك بالقياس. وعلى هذه الأغلاط على هذه الوجوه هي ضعف البصر وخروجه عن اعتدال صحته، لأن البصر الصحيح يدرك جميع هذه المعاني في المبصرات على ما هي عليه إذا كانت المعاني الباقية التي في تلك المبصرات في عرض الاعتدال.
الظل والظلمة وقد يعرض الغلط في الظل أيضًا من اجل خروج البصر عن عرض الاعتدال. وذلك أن المبصر إذا كان بعضه ذا لون مسفر وبعضه ذا لون قتم منكسر، وأشرق الضوء على ذلك المبصر، فإن الضوء يكون في سطح ذلك المبصر مختلف الصورة من أجل اختلاف اللون الذي في ذلك المبصر. فإذا أدرك ابصر الضعيف المبصر الذي بهذه الصفة فإنه ربما ظن بالمواضع المنكسفة القتمة أنها أظلال لانكسار الضوء الذي فيها. وإذا ظن البصر بالمبصر المضيء الذي لا ظل فيه أنه مستظل فهو غالط فيما يظنه من الظل.