الصفحة 243 من 245

وجميع ما ذكرنه من الأغلاط إنما هي أمثلة الأغلاط التي عللها مفردة ولكل واحد منها علة واحدة من العلل المحصورة التي من أجلها يعرض للبصر الغلط. وقد يعرض الغلط من اجتماع علتين وثلث وأكثر من العلل التي ذكرناها. وإذا عرض ذلك فإن البصر يكون مركبًا. ومثال ذلك إذا لمح البصر مبصرًا من المبصرات من بعد متفاوت، وكان ذلك المبصر متحركًا حركة على الاستقامة وعلى مسافة معترضة لكن حركة ليست في غاية السرعة، فإن البصر إذا لمح المبصر الذي بهذه الصفة من بعد متفاوت ولم يلبث في مقابلته إلا زمانًا يسيرًا ثم التفت عنه فإنه لا يدرك حركته في الزمان اليسير وإن كان قد تمكن أن يدرك حركة ذلك المبصر في مثل ذلك القدر من الزمان من القرب. وذلك أن المسافة التي يقطعها المبصر المتحرك في الزمان اليسير إذا كانت على بعد قريب من البصر، ولم تكن حركة المبصر المتحرك في غاية البطء، فإنه قد يمكن أن يدركها البصر من ذلك البعد في مقدار ذلك الزمان، إذا لم تكن تلك المسافة في غاية الصغر. وإذا أدرك البصر المسافة التي يقطعها المبصر المتحرك في الزمان اليسير فهو يدرك حركة ذلك المتحرك في الزمان اليسير. وإذا كانت المسافة التي يقطعها المبصر المتحرك في الزمان اليسير على بعد متفاوت فإن البصر ربما لم يدرك تلك المسافة حق قدرها عند البعد المتفاوت.

وإذا لم يدرك البصر المسافة التي يقطعها المبصر المتحرك في الزمان اليسير من البعد المتفاوت فإنه لا يدرك حركة ذلك المتحرك في ذلك القدر من الزمان من البعد المتفاوت. وإذا لم يدرك حركة المتحرك في ذلك القدر من الزمان فإنه يظن بذلك المتحرك أنه ساكن. وإذا ظن بالمتحرك أنه ساكن فهو غالط في سكونه. ويكون علة غلطه هو تفاوت البعد وقصر الزمان معًا، لأن البصر إذا ثبت في مقابلة ذلك المبصر وهو على البعد المتفاوت زمانًا فسيحًا يقطع المبصر المتحرك فيه مسافة مقتدرة على ان يدركها البصر من ذلك البعد المتفاوت فإن البصر يدرك حركة ذلك المبصر من ذلك البعد المتفاوت، وإذا كان ذلك المبصر على مسافة قريبة من البصر فإن البصر يدرك حركته في الزمان اليسير إذا كان المتحرك يقطع في الزمان اليسير مسافة على أن يدركها البصر من ذلك البعد اليسير. وإذا كان ذلك فعلة إدراك البصر للمبصر المتحرك من البعد المتفاوت في الزمان اليسير ساكنًا ليس هو البعد المتفاوت منفردًا وليس هو قصر الزمان منفردًا بل إنما هو تفاوت البعد مع قصر الزمان مجموعين.

وكذلك إذا كان مبصر من المبصرات يتحرك حركة مستديرة، وكان ذلك المبصر مختلف الألوان، وكانت حركته حركة سريعة وليست في غاية السرعة، وكان المبصر الذي بهذه الصفة في مكان مغدر وليس بشديد الغدرة، ولمح البصر ذلك المبصر من بعد يسير فإنه يدرك حركته في حال لمحته من أجل اختلاف ألوانه مع قربه، لأن المتحرك إذا كان مختلف الألوان وكانت حركته مستديرة ولم يكن في غاية السرعة فإن البصر يدرك تبدل أجزائه بسرعة وإن لم يكن الضوء الذي عليه قويًا إذا كان قريب المسافة من البصر. ثم إن بعد البصر عن هذا المبصر حتى يصير على بعد مقتدر، ولمح البصر ذلك المبصر بعينه من البعد البعيد لمحة خفيفة، فليس يدرك حركته في تلك اللمحة للبعد المتفاوت الذي بينهما مع غدرة الموضع مع قصر زمان اللمحة، لأن القوس التي يقطعها كل جزء من المبصر المتحرك المستدير في زمان يسير تكون صغيرة المقدار، وإذا كان مقدار القوس التي يقطعها الجزء من المبصر صغيرًا وكان الضوء الذي في ذلك المبصر يسيرًا وكان البعد بعيدًا لم يدرك البصر في اللمحة اليسيرة القوس الصغيرة التي يقطعها المتحرك المستدير في زمان تلك اللمحة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت