الصفحة 244 من 245

فإذا تأمل البصر المبصر الذي بهذه الصفة، وثبت في مقابلته زمانًا فيه فسحة واستقصى تأمله، فإنه قد يدرك حركة المبصر من البعد البعيد لأن القوس التي يقطعها ذلك المبصر المتحرك في الزمان الفسيح تكون مقتدرة المقدار، فيمكن البصر أن يدركها من البعد البعيد مع غدرة الموضع إذا لم يكن الموضع شديد الغدرة. وإن قوي الضوء الذي في الموضع، ثم لمح البصر ذلك المبصر من البعد البعيد الذي لمحه منه أولًا ولم يدرك حركته، فإنه قد يمكن أن يدرك حركته إذا لمحه والضوء الذي فيه قوي، لأن القوس التي يقطعها ذلك المتحرك في زمان اللمحة التي لم يدركها البصر من أجل ضعف الضوء مع تفاوت البعد مع قصر الزمان قد يمكن أن يدركها البصر في الضوء القوي وإن كان البعد الذي يدركها منه بعيدًا وكان الزمان قصيرًا، لأن المبصرات الصغار التي لا يدركها البصر في المواضع المغدرة قد يدركها البصر في الضوء القوي من الأبعاد بعينها التي لم يدركها منها في المواضع المغدرة وفي مقادير الزمان بأعيانها التي لم يدركها منها في المواضع المغدرة.

فإذا لمح البصر المبصر المتحرك دورًا من البعد البعيد في الضوء اليسير ولم يدرك حركته في حال لمحته فإنه يظنه في تلك الحال ساكنًا. وإذا ظن البصر بذلك المبصر أنه ساكن، والمبصر مع ذلك متحرك، فهو غالط في سكونه. ويكون علة هذا الغلط هو تفاوت البعد مع قصر الزمان مع ضعف الضوء الذي في المبصر باجتماعها، لأن البصر قد يدرك حركة ذلك المبصر مع اجتماع علتين من هذه العلل. وذلك أنه يدرك حركته في حال لمحته مع ضعف الضوء الذي فيه إذا لمحه من مسافة قريبة، وقد يدرك حركته من البعد البعيد مع ضعف الضوء إذا ثبت في مقابلته زمانًا يسيرًا، وقد يدرك حركته من البعد البعيد في حال لمحته إذا كان الضوء الذي فيه قويًا.

وإذا كان ذلك كذلك فالعلة التي من أجلها يدرك البصر المبصر المتحرك الذي بهذه الصفة ساكنًا على الوجه الذي وصفناه إنما هو اجتماع العلل الثلاث التي وصفناها لا واحدة منها ولا لاجتماع علتين منها بل اجتماع العلل الثلث بمجموعها. فقد تبين مما ذكرناه أن غلط البصر قد يكون لاجتماع علتين وأكثر من العلل التي من أجلها يعرض للبصر الغلط، فغلط البصر قد يكون لعلة واحدة وقد يكون لأكثر من علة واحدة، إلا أن جميع العلل التي من أجلها يعرض للبصر الغلط واحدة كانت أو أكثر من واحدة ليس تخرج عن العلل الثماني التي فصلناها.

فأغلاط البصر في المعاني الجزئية تكون على ما مثلناه وفصلناه في جميع أنواع الأغلاط. وصر جميع المبصرات مركبة من المعاني الجزئية. فإذا عرض للبصر غلط في معنى من المعاني الجزئية التي في مبصر من المبصرات أو في أكثر من واحد من المعاني الجزئية التي في المبصرات فإنه يكون غالطًا في صورة ذلك المبصر. وإذا عرض للبصر غلط في صورة المبصر فإنما هو غالط في معنى من المعاني الجزئية التي في صورة ذلك المبصر أو أكثر من واحد من المعاني التي فيه. وليس يغلط البصر فيما يدركه من صورة مبصر من المبصرات إلا من غلطه في معنى من المعاني الجزئية التي في ذلك المبصر أو في عدة من المعاني الجزئية التي فيه لأن البصر ليس يدرك من المبصرات إلا المعاني الجزئية التي تحصل فيها.وكذلك إذا غلط البصر في معرفة المبصر فإنما يكون غلطه من تشبيه المعاني التي في ذلك المبصر أو بعض المعاني التي فيه بما يعرفه البصر من المعاني التي أدركها من قبل في ذلك المبصر بعينه أو في غيره من المبصرات التي من نوعه.

وجميع الأغلاط في المعاني الجزئية إنما يكون غلطًا في مجرد الحس، أو غلط في المعرفة، أو غلط في القياس، أو غلطًا في مجموع هذه الثلثة، أو غلط في نوعين منهما في اجتماعهما. وليس يعرض للبصر غلط في المعاني الجزئية يخرج عن هذه الأقسام. فأغلاط البصر في جميع ما يغلط فيه البصر من صور المبصرات قد يكون غلطًا في مجرد الحس، وقد يكون غلطًا في المعرفة، وقد يكون غلطًا في القياس، وقد يكون غلطاُ في الأنواع الثلثة باجتماعها، وقد يكون غلطًا في نوعين منهما باجتماعهما. وليس يعرض للبصر غلط في صورة المبصر من المبصرات يخرج عن هذه الأقسام. وجميع الأغلاط في الأنواع الثلثة التي ذكرناها ليس يكون إلا من أجل غلط البصر في المعاني الجزئية التي في صور المبصرات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت