الصفحة 29 من 245

وقد يمكن أن يعتبر هذا المعنى في كل وقت على الصفة التي نذكرها:يعتمد المعتبر بيتًا يدخل إليه ضوء الشمس من ثقب فسيح قدره ليس بأقل من عظم الذراع في مثله، ويكون الضوء ينتهي إلى أرض البيت، ويكون البيت ضيقًا متقارب الجدران، وتكون جدرانه نقية البياض. ويراعي دخول الضوء من الثقب: فإذا دخل ضوء الشمس من الثقب وظهر على أرض البيت أغلق الباب وأسبل عليه سترًا صفيقًا حتى لا يدخل البيت ضوء إلا من الثقب. ثم يجعل في موضع الضوء جسمًا أرجوانيًا، وليمثل به موضع الضوء حتى لا يفضل من الضوء شيء. وليكن سطح الجسم الأرجواني مستويًا ليشتمل الضوء جميع سطحه وتكون صورة الضوء عليه متشابهة: فإنه يجد صورة اللون الأرجواني على جدران البيت من جميع جهاته مع الضوء الثاني الذي يصدر عن ضوء الشمس.

فإن كان البيت فسيحًا ولم يظهر اللون على جدرانه ظهورًا بينًا لبعدها عن موضع الضوء فسيحًا ولم يظهر اللون على جدرانه ظهورًا بينًا لبعدها عن موضع الضوء فليقرب المعتبر إلى موضع الضوء ثوبًا أبيض، ولا يولجه في نفس الضوء بل يقربه منه ويقابله به: فإنه يجد صورة اللون الأرجواني على الثوب الأبيض مع الضوء، إلا أنه يجد هذه الصورة أضعف من اللون نفسه، ويجدها ممتزجة بالضوء. وإذا باعد الثوب عن موضع الضوء ازداد هذا اللون الذي يظهر على الثوب ضعفًا، كما يزداد الضوء الممازج له ضعفًا. وإذا أدار الثوب من جميع جهات موضع الضوء الذي فيه الجسم الأرجواني وجد صورة اللون عليه في جميع الجهات . وإن جعل حوالي الضوء عدة أجسام نقية البياض من جميع جهاته، وقابل بكل واحد منها الضوء، وجد صورة اللون على جميع تلك الأجسام وممازجة للضوء.

ثم يرفع الجسم الأرجواني ويجعل مكانه جسمًا فرفيريًا ويعتبر لونه على الوجه الذي تقدم: فإنه يجد لونه أيضًا يشرق في جميع الجهات. ثم يرفع الجسم الفرفيري ويجعل مكانه جسمًا ريحانيًا ويعتبر لونه: فإنه يجده كذلك. وإن جعل موضع الضوء جسمًا بأي لون كان من الألوان المشرقة، فإنه يجد لونه يشرق مع الضوء الذي عليه في جميع الجهات. ثم إن جعل في موضع الضوء جسمًا أبيض نقي البياض فإنه يجد جميع نواحي البيت قد ازداد ضوءًا كما ذكرنا من قبل وذلك من أجل بياض الجسم الذي في الضوء. ثم إن رفع الجسم الأبيض وجعل مكانه جسمًا أسود فإنه يجد البيت قد اظلم وطفئ الضوء الذي كان فيه من أجل سواد الجسم الذي في الضوء.

فيتبين من هذا الاعتبار أن اللون يشرق عن الجسم المتلون المضيء ويمتد في جميع الجهات كما يشرق الضوء الذي في ذلك الجسم، ويكونان أبدًا معًا، وتكون صورة اللون ممازجة لصورة الضوء، وأن صورة اللون التي تمتد مع صورة الضوء تكون أضعف من اللون نفسه، وكلما بعدت عن الجسم المتلون ازدادت ضعفًا كمثل ما في الضوء.

فأقول إن هذه الصور التي تظهر على الأجسام المقابلة للجسم المتلون المضيء ليس يدركها البصر بالانعكاس وإنما يدركها البصر كما يدرك الألوان في سطوح الأجسام المتلونة، وإن هذه الصور هي في المواضع التي يدركها البصر فيها: وذلك أن هذه الصور إذا ظهرت للبصر على الجسم المقابل للجسم المتلون، وكان سطح الجسم الذي تظهر عليه الصورة سطحًا مستويًا، ثم انتقل البصر عن موضعه إلى جميع الجهات المقابلة لذلك السطح، فإنه يدرك الصورة من جميع الجهات في ذلك السطح وعلى هيئتها. وإذا كان الجسم المتلون ساكنًا، والجسم المقابل له الذي تظهر عليه الصورة ساكنًا، وكان السطح الذي تظهر عليه الصورة مستويًا، فإن انعكاس صورة الجسم المتلون عن ذلك السطح المستوي إنما يكون إلى جهة واحدة مخصوصة فقط، لا إلى جميع الجهات المقابلة لذلك السطح وتنعكس عنه أو كان شعاع يخرج من البصر إلى ذلك السطح وينعكس عنه إلى الجسم المتلون، لأن الانعكاس ليس يكون إلا على زوايا متساوية وإلى جهة مخصوصة. وسنبين ذلك عند كلامنا في الانعكاس.

فإذا كان البصر يدرك هذه الصور من جميع الجهات المقابلة للسطح الذي فيه اللون مع سكون هذا السطح وسكون الجسم المتلون فليس إدراك البصر لصورة اللون في السطح الذي تظهر فيه صورة اللون بالانعكاس، وإنما يدركها البصر كما يدرك الألوان في سطوح الأجسام المتلونة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت