الصفحة 30 من 245

وأيضًا فإنه إن أخذ المعتبر إناءً من الزجاج الرقيق المشف الأبيض النقي، وجعل فيه شرابًا أحمر صافي اللون، وقابل به ضوء الشمس في البيت الذي وصفناه، فإن اعتبار هذه الألوان في المواضع القليلة الضوء يكون أبين. وإن كان الثقب الذي يدخل منه الضوء إلى البيت ضيقًا في اعتبار الجسام المشفة أو ضيق كان أجود، بعد أن لا يكون في غاية الضيق، ثم يجعل في ظل الإناء ثوباُ أبيض، فإنه يجد لون الشراب على ذلك الثوب مع الضوء النافذ في شفيف الزجاج وشفيف ذلك الشراب وممازجًا له، ويجد اللون الذي يظهر على الثوب أرق من لون الشراب وأصفى منه. وإذا بعد الثوب عن الإناء ازداد اللون الذي يظهر عليه رقة وضعفًا.

وكذلك إن جعل في الإناء بدل الشراب ماء متلون أزرق أو أخضر أو غير ذلك من الألوان المشرقة الصافية التي لا تبطل شفيف الماء بالكلية ويمكن أن ينفذ فيها الضوء، ثم اعتبر على الصفحة التي قدمناها، وجد لون ذلك الماء ممتدًا مع الضوء النافذ في شفيفه وممازجًا له.

وكذلك إن قرب هذا الإناء الذي فيه الشراب أو الماء الملون إلى ضوء النار في الليل، وقرب إليه من ورائه ثوب أبيض، فإن لون الشراب يظهر على الثوب مع ضوء النار النافذ فيه. وينبغي أن يتحرى المعتبر عند اعتبار ذلك أن لا يشرق على الثوب ضوء قوي من جهة أخرى ، بل يكون في ظل رقيق الضوء.

فيتبين من هذا الاعتبار أن اللون الذي في الأجسام المشفة أيضًا يمتد مع الأضواء النافذة فيه في الهواء المتصل به.

فجميع الأجسام المتلونة الكثيفة والمشفة إذا كان لونها قويًا واعتبرت على الوجه الذي بيناه فإن ألوانها توجد أبدًا ممتدة مع الأضواء التي تصدر عنها وممازجة لها. وإذا كان ذلك يوجد أبدًا عند الاعتبار ومطردًا في جميع الألوان فهو خاصة طبيعية تخص الألوان. وإذا كان ذلك طبيعيًا للألوان فهو يلزم في جميع الألوان قويها وضعيفها. وإذا كانت الألوان تصحب الأضواء وتمتد بامتدادها فهي تصحب جميع الأضواء قويها وضعيفها قليلها وكثيرها. وإن لم يظهر ضعيفها للبصر فلقصور قوة الحس عن إدراك المعاني اللطيفة.

وقد يحتمل أن يكون الهواء والأجسام المشفة تقبل صور الألوان كما تقبل صور الأضواء حضر الضوء معها أم لم يحضر، وتكون الألوان تشرق من جميع الأجسام المتلونة وتمتد في الهواء وفي الأجسام المشفة في جميع الجهات كما تشرق الأضواء، وتكون خاصتها كخاصة الأضواء، ويكون امتدادها في الهواء وفي الأجسام المشفة وانبساطها فيها دائمًا حضر الضوء معها أو لم يحضر، ويكون ليس يظهر منها للبصر إلا ما كان مصاحبًا للضوء لأن البصر ليس يدرك شيئًا إلا إذا كان مضيئًا.

ويحتمل أن تكون الألوان ليس يصدر عنها هذه الصور ولا تمتد في الهواء ولا يقبلها الهواء إلا بعد إشراق الضوء عليها.

إلا أن الذي ليس يتداخله الشك ولا يقع فيه ريب هو أن صورة اللون وصورة الضوء يصدران معًا عن الأجسام المضيئة المتلونة ويمتدان في الهواء وفي الأجسام المتلونة والمقابلة لها، ويقبلها الهواء والأجسام المشفة وينفذان فيها على جميع السموت المستقيمة التي تمتد من تلك الأجسام المتلونة في ذلك الهواء وفي تلك الأجسام المشفة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت