ونجد البصر ليس يدرك شيئًا من المبصرات إلا إذا كان حجمه مقتدرًا وأريد بالحجم مساحة المبصر جسمًا كان أو سطحًا أو خطًا وليس يدرك من المبصرات ما كان بغاية الصغر. ويوجد من الأجسام الصغار بالاستدلال ما لا يدركه البصر بوجه من الوجوه. فإن إنسان عين البعوضة وما جرى مجراه في الصغر ليس يدركه البصر بوجه من الوجوه، وهو مع ذلك جسم موجود. وأصغر المقادير التي يمكن أن يدركها البصر تكون بحسب قوة البصر أيضًا وضعفه، فإن من الأجسام الصغار ما يدركها بعض الناس ويحس بها وتخفى عن أبصار كثير من الناس ولا يدركونها بوجه من الوجوه إن كانت أبصارهم ليست في غاية القوة. وإذا اعتبرت جميع المبصرات وأصغر من المبصرات وجدت ليست في غاية الصغر، بل يوجد كل مبصر وإن كان في غاية الصغر فقد يمكن أن يكون في الأجسام الموجودة ما هو أصغر منه ولا يحس به البصر. فدل ذلك على أن البصر ليس يدرك شيئًا من المبصرات إلا إذا كان حجمه مقتدرًا أو كان في مبصر مقتدر الحجم، كاللون والشكل وما أشبه ذلك، فإن أصغر المقادير التي يدركها البصر يكون بحسب قوة ذلك البصر. وأيضًا فإنا نجد البصر ليس يدرك شيئًا من المبصرات إلا إذا كان كثيفًا أو كان فيه بعض الكثافة. فإن الجسم إذا كان غاية الشفيف كالهواء اللطيف فلبس يدركه البصر ويدرك ما وراءه. فليس بجس البصر بالجسم المشف إلا إذا كان أغلظ من الهواء من الهواء المتوسط بينه وبين البصر. وكل جسم كثيف فله لون أو ما يجري مجرى اللون كأضواء الكواكب وصور الأجسام النيرة. وكذلك كل جسم مشف فيه بعض الكثافة فليس يخلوا من اللون. وأيضًا فإنا نجد البصر إذا كان يدرك مبصرًا من المبصرات ثم بعد عنه بعدًا شديدًا خفي ذلك عن البصر فلم يدركه. ونجد المبصر إذا بعد عن البصر بعدًا شديدًا حتى ينتهي إلى حد يخفي عن البصر فلا يدركه البصر فقد يمكن للبصر أن يدرك من ذلك البعد بعينه إذا لم يكن في غاية التفاوت مبصرًا غير ذلك المبصر إذا كان أعظم جثة من المبصر الخفي. فدل ذلك على أن الأبعاد التي يصح أن يدرك منها المبصر والأبعاد التي يخفى منها المبصر إنما تكون بحسب عظم المبصر.
ونجد الأبعاد التي يصح أن يدرك منها البصر المبصرات تكون بحسب الأضواء التي في المبصرات، وما كان من المبصرات أشد إضاءة فقد يدركه البصر من بعد قد تخفى من مثله المبصرات المساوية لذلك المبصر في العظم إذا كانت الأضواء التي فيها أضعف من الضوء الذي في ذلك المبصر. وذلك أنه إذا كان في موضع من المواضع نار مشتعلة، وكان حواليها أشخاص وأجسام مساو كل واحد منها لجملة النار في العظم أو ليست بمتفاوتة العظم، وأشرق عليها ضوء تلك النار، ثم قصد تلك النار قاصد من بعد شديد في سواد الليل، فإن ذلك القاصد يرى النار قبل أن يرى شيئًا مما حواليها من الأشخاص والأجسام التي هي مساوية لها في العظم وأعظم منها ومضيئة بضوء تلك النار. ثم إذا قرب ذلك الإنسان من النار ظهرت له الأشخاص التي حول النار وما قرب منها، ويظهر ما كان من تلك الأشخاص قريبًا من النار والضوء الذي عليه قوي قبل أن يظهر ما كان بعيدًا من النار والضوء الذي عليه ضعيف، ثم إذا وصل إليها ظهر له جميع ما حول النار وبالقرب منها من المبصرات. وكذلك إذا اعتبرت المبصرات المتباعدة في ضوء النهار يوجد الذي عليه ضوء الشمس والأضواء القوية تظهر من الأبعاد التي تخفى منها المبصرات المساوية لها في العظم وفي اللون التي تكون في الظل والأضواء التي عليها ضعيفة.
فيلزم من ذلك أن تكون الأبعاد التي منها يصح أن يدرك البصر المبصرات، والأبعاد التي تخفى منها المبصرات، إنما تكون بحسب الأضواء التي في المبصرات.
ونجد أيضًا الأجسام الساطعة البياض والمشرقة الألوان قد تظهر من الأبعاد التي قد تخفى من مثلها الأجسام الكدرة والترابية والمنكسفة مع تساويها في الحجم وفي الضوء وفي جميع الأحوال ما سوى اللون. وذلك أن السفن المقلعة في البحر، إذا كانت على بعد شديد، فإن أقلاعها تظهر من البعد كالنجوم إذا كانت قلوعها بيضاء ويدرك البصر بياضها ولا يدرك مع ذلك السفن ولا شيئًا مما فيها مما ليس بساطع البياض ما دامت على مسافة بعيدة، ثم إذا قربت من البصر ظهرت السفن وأدركها البصر وأدرك ما فيها بعد أن كان لا يحس بها وهو يحس بقلوعها فقط.