الصفحة 6 من 245

وكذلك إذا كانت أشخاص على سطح الأرض، وكانت متساوية الأقدار أو ليست أقدارها متفاوتة الاختلاف، وكانت مختلفة الألوان، وكان بعضها بيضًا ساطعة البياض وكان بعضها ذا ألوا مشرقة وبعضها ترابية أو منكسف الألوان، وكان الضوء المشرق عليها واحدًا، ثم قصدها قاصد من بعد شديد، فإنه يرى البيض منها الساطعة البياض قبل أن يرى شيئًا من الأشخاص الباقية . ثم إذا قرب ظهرت الأشخاص المشرقة الألوان قبل أن تظهر الترابية والمنكسفة الألوان . ثم كلما قرب ظهرت له الباقية إلى أن يظهر له جميعها ويحس بها معًا.

فيلزم من ذلك أن تكون الأبعاد التي يصح أن يدرك منها البصر المبصرات، والأبعاد التي تخفى منها المبصرات، إنما تكون بحسب ألوان المبصرات.

ونجد أيضًا الأبعاد التي يصح أن يدرك من مثلها مبصر من المبصرات، والأبعاد التي يخفى من مثلها مبصر من المبصرات ، إنما تكون بحسب قوة البصر. فإن الحديد البصر قد يدرك مبصرًا من المبصرات من بعد قد يخفى منه ذلك المبصر بعينه في تلك الحال بعينها عن الضعيف البصر.

فيلزم من جميع ما ذكرناه واستقريناه من أحوال أبعاد المبصرات أن تكون الأبعاد التي يصح أن يدرك من مثلها مبصر من المبصرات، والأبعاد التي يخفى من مثلها مبصر من المبصرات، إنما تكون بحسب ذلك المبصر بعينه وبحسب أحواله وبحسب المعاني التي فيه وبحسب البصر أيضًا الذي يدركه بعينه في قوته وضعفه.

فقد تبين من جميع ما ذكرناه مما يوجد بالاستقراء والاعتبار ويوجد مطردًا لا يختلف ولا ينتقض، أن البصر ليس يدرك شيئًا من المبصرات التي تكون معه في هواء واحد ويكون إدراكه له لا بالانعكاس إلا إذا اجتمعت للمبصر المعاني التي ذكرناها، وهي أن يكون بينه وبين البصر بعد ما بحسب ذلك المبصر، ويكون مقابلًا للبصر، أعني أن يكون بين كل نقطة من سطحه الذي يدركه البصر وبين نقطة ما من سطح البصر خط مستقيم متوهم، ويكون فيه ضوء ما إما من ذاته أو من غيره، ويكون حجمه مقتدرًا بالإضافة إلى قوة إحساس البصر، ويكون الهواء الذي بينه وبين سطح البصر أو الجسم الذي بينه وبين سطح البصر مشفًا متصل الشفيف لا يتخلله شيء من الأجسام الكثيفة، ويكون كثيفًا أو فيه بعض الكثافة أعني أن لا يكون فيه شفيف أو يكون مشفًا وشفيفه أغلظ من شفيف الهواء المبسوط بينه وبين سطح البصر أو الجسم المشف المتوسط بينه وبين سطح البصر، وليس يكون الكثيف إلا ذا لون أو ما يجري مجرى اللون، وكذلك المشف الذي فيه بع الغلظ. فهذه المعاني هي التي لا يتم الإبصار إلا بعد اجتماعها للمبصر. وإذا اجتمعت هذه المعاني للمبصر، وكان البصر سليمًا من الآفات، فإنه يدرك ذلك المبصر، وإذا عدم البصر واحدًا من هذه المعاني إذن هي خواص البصر التي بها وباجتماعها يتم الإبصار.

وقد يظهر أيضًا بالاستقراء أن كل مبصر يدركه البصر، ثم يبعد عنه حتى ينتهي إلى الحد الذي يخفى عن البصر، فإن بين البعد الذي يخفى منه ذلك المبصر وبين سطح البصر أبعادًا كثيرة مختلفة لا تنحصر ولا تتعين يدرك البصر من كل واحد منها ذلك المبصر إدراكًا صحيحًا، ويدرك جميع أجزائه ويدرك جميع ما فيه من المعاني التي يصح أن يدركها البصر وإذا أدرك البصر المبصر على بعد من هذه الأبعاد إدراكًا صحيحًا، ثم تباعد عنه على تدريج وترتيب، خفيت أجزاءه الصغار والمعاني اللطيفة إن كانت فيه كالنقوش والوشوم والغضون والنقط قبل أن تخفى جملته، ويخفى ما صغر من هذه المعاني ودق قبل أن يخفى ما هو اعظم وأغلظ. وتوجد الأبعاد التي تخفى منها الأجزاء الصغار وتلتبس المعاني اللطيفة وتشتبه كثيرة غير معنية ولا محصورة.

ويوجد أيضًا المبصر إذا تمادى في التباعد على التدريج والترتيب تصاغرت جملته عند البصر قبل أن يخفى جميعه على البصر ولا يحس به ولا بشيء منه، وإن ازداد بعد ذلك تباعدًا لم يدركه البصر. ويوجد أيضًا المبصر إذا قرب من البصر قربًا شديدًا وقبل أن يلتصق بسطح البصر فإنه تعظم جثته عند البصر وتشتبه صورته وتلتبس المعاني اللطيفة التي تكون فيه فلا يمكن البصر تمييزها وتحققها. وكلما قرب من سطح البصر بعد هذه الحال قربًا أكثر كان التباسه أشد، حتى إذا التصق بسطح البصر بطل إحساس البصر به ولم يدرك منه إلا ستره فقط.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت