الصفحة 56 من 245

وأيضًا فإن الإحساس إنما يمتد من الأعضاء إلى الحاس الأخير في الأعصاب المتصلة بين الأعضاء وبين الدماغ. وإذا كان قد تبين أن الصور تمتد من البصر إلى الحاس الأخير الذي في مقدم الدماغ فالصور إذن تمتد من البصر في العصبة الممتدة بين البصر وبين الدماغ إلى أن تصل إلى الحاس الأخير. وإذا كان قد تبين أن الصورتين اللتين تحصلان للمبصر الواحد في البصرين في حال إدراك المبصر واحدًا تمتدان إلى الحاس الأخير وتلتقيان قبل إدراك الحاس الأخير لهما، وكان امتداد الصور إلى الحاس الأخير إنما هو في العصاب، فإن هاتين الصورتين إذن تمتدان من البصرين في العصبتين الممتدتين من البصر وتلتقيان في الموضع الذي تلتقي فيه العصبتان. وقد تقدم في هيئة البصر أن العصبتين اللتين تمتدان من الدماغ إلى البصرين تلتقيان عند مقام الدماغ وتصيران عصبة واحدة، ثم تفترقان وتنتهيان إلى البصرين. وإذا كانت الصورتان تمتدان من البصرين في العصبتين وتلتقيان عند التقاء العصبتين فالصورتان إذن اللتان تحصلان في البصرين للمبصر الواحد في حال إدراكه واحدًا تمتدان من البصرين وتنتهيان إلى العصبة المشتركة وتلتقيان في هذه العصبة وتصيران صورة واحدة. وإذا كانت هاتان الصورتان تنتهيان إلى العصبة المشتركة فجميع الصور التي تحصل في البصر من صور المبصرات تنتهي إلى العصبة المشتركة.

ومما يدل دليلًا واضحًا على أن صور المبصرات تمتد في تجويف العصبة وتنتهي إلى الحاس الأخير ومن بعد امتدادها في تجويف العصبة يتم الإبصار هو أن هذه العصبة إذا حصل فيها سدة بطل الإبصار، وإذا زالت السدة عاد الإبصار تشهد بذلك صناعة الطب.

فأما لم تلتقي الصورتان في حال إدراك المبصر الواحد واحدًا وليس تلتقيان في حال إدراكه اثنين فلأن المبصر الواحد إذا أدرك بالبصرين، وكان وضع البصرين وضعهما الطبيعي، كان وضع البصرين من المبصر الواحد وضعًا متشابهًا، فتحصل صورة المبصر الواحد في موضعين متشابهي الوضع من البصرين. وإذا ميل وضع البصرين اختلف وضع البصرين من ذلك المبصر، فتحصل صورتا ذلك المبصر في موضعين من البصرين مختلفي الوضع من البصرين. وقد تقدم في هيئة البصر أن العصبة المشتركة وضعها من البصرين وضع متشابه. وإذا كان وضع العصبة المشتركة من البصرين وضعًا متشابهًا كان وضع الموضعين المتشابهي الوضع من البصرين من موضع واحد بعينه من العصبة المشتركة وضعًا متشابهًا. فإذا امتدت الصورتان من الموضعين المتشابهي الموضع انتهتا إلى ذلك الموضع الواحد بعينه من العصبة المشتركة الذي وضعه من ذينك الموضعين وضع متشابه، فتنطبق الصورتان إحديهما على الأخرى وتصيران صورة واحدة.

والموضعان المختلفا الوضع من البصرين ليس يكون وضعهما من موضع واحد بعينه من العصبة المشتركة وضعًا متشابهًا. فإذا امتدت الصورتان من الموضعين المختلفي الوضع وانتهتا إلى العصبة المشتركة فإنهما تنتهيان إلى موضعين من هذه العصبة لا إلى موضع واحد، فتحصلان في هذه العصبة صورتين، وكذلك يدرك المبصر الواحد الذي على هذه الصفة اثنين.

وإنما التقت العصبتان اللتان تنشأن من مقدم الدماغ اللتان هما مبدأ البصرين وفي الموضع الذي وضعه من البصرين وضع متشابه، وصار تجويفهما تجويفًا واحدًا، لتجتمع الصورتان اللتان تحصلان في البصرين للمبصر الواحد عند هذه العصبة وتصيران صورة واحدة، فيدرك الحاس الأخير المبصر الواحد واحدًا. فجميع الصور التي تحصل في البصرين من صور المبصرات تمتد من البصرين في العصبتين الجوفاوين وتنتهي إلى تجويف العصبة المشتركة، والصورتان اللتان تحصلان في البصرين للمبصر الواحد في حال إدراكه واحدًا تلتقيان في تجويف هذه العصبة وتحصلان صورة واحدة، ومن الصور التي تحصل في هذه العصبة يدرك الحاس الأخير صور المبصرات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت