وقد يمكن أن يقال إن الصور التي تحصل في البصر ليس تنتهي إلى العصبة المشتركة لكن الإحساس الذي عند البصر يمتد من البصر إلى العصبة المشتركة كما يمتد الإحساس بالآلام والإحساس بالملموسات، وعن وصول الإحساس إلى العصبة المشتركة يدرك الحاس الأخير ذلك المحسوس، وأن الإحساس الذي يكون للمبصر الواحد في البصرين في حال إدراكه واحدًا ينتهي أى موضع واحد من العصبة المشتركة، فيصير الإحساسان في موضع واحد من العصبة المشتركة، فلذلك يحس الحاس الأخير بالمبصر الواحد واحدًا، فيكون الذي يصل إلى العصبة المشتركة هو الإحساس لا بالصور.
فنقول إن الإحساس الذي يحصل في البصر ينتهي إلى العصبة المشتركة لا محالة، ولكن الإحساس الذي يحصل في البصر ليس هو إحساس ألمٍ فقط بل هو إحساس بتأثير هو من جنس الألم وإحساس بإضاءة وإحساس بلون وإحساس بترتيب أجزاء المبصر. والإحساس باختلاف الألوان وبترتيب أجزاء المبصر ليس هو من جنس الألم وسنبين من بعد كيف يكون إحساس البصر بكل واحد من هذه المعاني والإحساس بصورة المبصر على ما هي عليه ليس يكون إلا من الإحساس بجميع المعاني التي في الصورة. وإذا كان الإحساس الذي يقع عند البصر ينتهي إلى العصبة المشتركة، ومن الإحساس الذي يحصل عند العصبة المشتركة تدرك القوة الحساسة صور المبصر فالإحساس إذن الذي يحصل في العصبة المشتركة هو إحساس بالضوء واللون والترتيب. فالشيء الذي يتأدى من البصر إلى العصبة المشتركة على تصاريف الأحوال الذي منه يدرك الحاس الأخير صورة المبصر هو شيء يدرك منه الحاس الأخير الضوء الذي في المبصر واللون الذي فيه وترتيب أجزائه. والشيء الذي يدرك منه الحاس الأخير الضوء واللون والترتيب هو صورة ما. فصورة المبصر التي تحصل في البصر يتأدى منها إلى العصبة المشتركة على تصاريف الأحوال صورة ما مترتبة، ومن الصورة المترتبة التي تحصل في هذه العصبة يدرك الحاس الأخير صورة المبصر على ما هي عليه. فالإحساس بالتأثير الذي يحصل في سطح الجليدية يصل إلى العصبة المشتركة، وصورة الضوء واللون التي تحصل في سطح الجليدية تصل أيضًا إلى العصبة المشتركة وتصل مرتبة كترتيبها في سطح الجليدية.
فقد تبين من جميع ما ذكرناه أن الإبصار إنما يكون من الصور التي ترد من المبصرات إلى البصر، وأن هذه الصور تحصل في سطح الرطوبة الجليدية ، وتنفذ في جسم الجليدية وتحس بها الجليدية عند نفوذها فيها، وأن الجليدية إنما تحس بهذه الصورة من سموت خطوط الشعاع فقط، وأن الصورة التي تحس بها الجليدية تمتد في الجسم الحاس الممتد في تجويف العصبة وتنتهي إلى تجويف العصبة المشتركة، وأن جميع صور المبصرات التي يدركها البصر تنتهي إلى العصبة المشتركة، وأن الإبصار إنما يتم بإدراك الحاس الأخير لصور المبصرات، وأن الحاس الأخير إنما يدرك صور المبصرات من الصورة التي تحصل في العصبة المشتركة، وأن الصورتين اللتين تحصلان في البصر للمبصر الواحد في موضعين متشابهين تلتقيان في العصبة المشتركة وتصيران صورة واحدة، ومن الصورة الواحدة التي تحصل في هذه العصبة يدرك الحاس الأخير صورة المبصر. وهذا هو مشروح كيفية الإبصار وترتيبه.
وقد بقي أن يقال إذا كانت صور الألوان والأضواء تمتد في الهواء وفي الأجسام المشفة وتصل إلى البصر، وكان الهواء والأجسام المشفة تقبل جميع الألوان والأضواء، وكانت جميع الألوان التي تحضر في وقت واحد تمتد صور جميعها في الوقت الواحد في هواء واحد وتصل إلى بصر واحد وينفذ أيضًا جميعها في شفيف طبقات البصر، فيلزم من ذلك أن تمتزج هذه الألوان والأضواء في الهواء وفي الأجسام المشفة وتصل إلى البصر ممتزجة وتؤثر في جسم البصر وهي ممتزجة، فلا تتميز للبصر ألوان المبصرات ولا تتميز له المبصرات. وإذا كان ذلك كذلك فليس إحساس البصر بالمبصرات من هذه الصور.